لكلّ منهم قصته ومشاكله التي تتطوّر ضمن ثنائيات، لكنّ الجميع من دون استثناء يحلم بحياة أفضل مستوحاة من اللوحات الإعلانية! إنّها التيمة التي تدور حولها مسرحية «الأربعا بنص الجمعة» (كتابة وإخراج، وتمثيل بيتي توتل مع ثمانية ممثلين آخرين) التي تُعرض على خشبة «مسرح مونو». نحن هنا أمام تسع شخصيات: ثنائي يريد الزواج، وزوجة مستقبلية، وأم، ورجل مطلّق، وعجوزان مرّت السنوات على زواجهما دون أن ينجبا أطفالاً، وعاملا اللوحات الإعلانيّة.


ترتبط مواضيع المسرحية بالواقع اللبناني وتعكس قضايا حياتية مثل قرارات الزواج، والمغامرات الغرامية والجنسية خارج إطار الزواج، وعشوائية العمران، والبنايات القديمة الآيلة للسقوط، والبطالة... أمّا إخراجياً، فيعتمد العرض على لقاءات متكررة بين الشخصيات كل يوم عند أحد التقاطعات في شوارع بيروت: خشبة المسرح. يتلوّن العمل بين الكوميديا واللحظات الدرامية التي تجنح إلى الميلودراما. قد تكون التركيبة من حيث النص والإخراج والتمثيل غنية في تنوعها، لكنّها تتطرق إلى الكثير من المواضيع من دون الغوص عميقاً في أحدها، ما أوقعها في المقاربة السطحية. آفة يعانيها المسرح الكوميدي الاجتماعي بأسره، وخصوصاً إذا توقفنا عند الشخصيات النمطية وكمّ الكليشيهات التي يقدّمها.
في «الأربعا بنص الجمعة» مثلاً، نتعرف إلى رجل «مخنّث» في عقده الرابع. لا نعرف عن الشخصية سوى أنها كانت تعمل في صالون للحلاقة النسائية وبدأت اليوم العمل في اللوحات الإعلانية. بعد ذلك، ينعدم تطوّر الشخصية وينحصر دورها في تغيير اللوحات الإعلانية التي تشكل سينوغرافيا العرض، والتعليق على حدث ما. إذاً نحن أمام شخصية تصنّف بالحشو الدرامي. على أرض الواقع، تلعب تلك الشخصية دوراً مختلفاً، ألا وهو تجسيد عنصر كوميدي متنقل وناطق على المسرح، أو بكلمات أخرى مصدر استهزاء وسخرية من خلال ملبسها أو حركاتها. من المؤكّد أنّ كل منّا شاهد تلك الأوصاف النمطية لشخصية «المخنث» في عدد هائل من المسرحيات. و«الأربعا بنص الجمعة»، يسهم في تكريس صورة نمطية مغرضة عن الرجل «المخنث» عبر استخدامها في العروض الكوميدية فقط لإثارة الضحك، والاستهزاء بها. وإن كان أهل المسرح والفن والثقافة غير مسؤولين عن محاربة رهاب مماثل، والصور النمطية الناتجة عنه، فلا يجوز لنا أن نفاجأ بما يفعله جو معلوف! وعطفاً على الصورة النمطية، نتعرف أيضاً في العرض إلى فتاة في سن الزواج، قررت الارتباط برجل لا تعرفه سوى عبر الشبكة العنكبوتية، لمجرد أنّه غني وقادر على منحها الحياة التي تحلم بها مادياً. وتظهر تلك الشخصية سطحية لا تبالي سوى بفستان عرسها، وتفاصيل الزفاف الضخم وجميع الماديات الأخرى، ولا تفقه من تعقيدات الارتباط شيئاً. باختصار تسيطر الصورة النمطية السطحية على تلك الشخصية من دون إظهار التعقيدات الكامنة داخل كل إنسان. لماذا التوقف عند هذين النموذجين؟ لأنّ الموضوع مثير للاهتمام، وليس بغريب أبداً عن المجتمع اللبناني. من المهم جداً التطرق إليه في مسرحنا، وخصوصاً في المسرح الاجتماعي الكوميدي. أما الإشكالية، فتقع لدى مقاربة المسرح مواضيع مماثلة من الزاوية ذاتها التي يقاربها المجتمع، أي بأحكام مسبقة، وقوالب نمطية، وقراءة أحادية لموضوع شديد التعقيد كالذي ذكرناه آنفاً. نعلم أنّ المجتمع ـ أي نحن ـ نستسهل اختصار مواقف الناس والحكم عليها، إما كسلاً أو بنيّة سيئة مقصودة. وليس دور المسرح الاجتماعي سوى إعادة تجسيد أمثلة أمام المجتمع ذاته، فارضاً عليه زاوية قراءة مختلفة تعيد أنسنة أي حالة أو قرار أو سياق. على الخشبة، يوقف المخرج الزمن، ويدعو الجمهور إلى البصيرة، ومحاولة قراءة وفهم الجوانب المختلفة والأوجه المتعددة والمعقدة لأي شخصية، وقراراتها، والتخلص من الأحكام السلبية المجانية. وإلا فلماذا الحاجة إلى نقل الحياة إلى المسرح؟ ألتسلية الجمهور بقصص البشر، وإعادة تغذية الأحكام المسبقة التي يمارسها في كل لحظة من حياته؟
طبعاً ليس المثالان المذكوران هنا سوى مناسبة للانطلاق إلى مساءلة تلك السياسة الدرامية العامة التي يستسهلها صناع المسرح الاجتماعي الكوميدي في لبنان في تبسيط الأمور وتسطيحها، وتكريس نمطيتها.
استعمال الشخصيات المصنفة حشواً درامياً بهدف الاستهزاء بها (وغالباً ما ينطوي تقديمها على رهاب المثلية، والعنصرية) وتكريس الصور النمطية والأحكام المسبقة بدلاً من فضحها ومساءلتها، جرثومتان إن لم ينجح المسرح اللبناني في تداركهما، سوف يجري القضاء على أي دور للمسرح في نقل المجتمع إلى حال أفضل. ونشدد هنا على المسرح الاجتماعي الكوميدي القادر وحده على خرق الحواجز النفسية والاجتماعية عبر النكتة بدلاً من صدامية المسرح التراجيدي. على هذا المسرح أن يتحمّل مسؤوليته في الدور الذي يلعبه.




«الأربعا بنص الجمعة»: حتى 2 كانون الأول (ديسمبر) ـــ مسرح «مونو» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/202422