بهدف إعادة المكانة المستحقة لمسرح الأطفال في لبنان، ودعم الأعمال الشبابية الجديدة، قامت جمعية «خيال» للتربية والفنون أخيراً بتنظيم «لقاءات صندوق الفرجة لمسرح الأطفال» في مسرح «دوار الشمس». تضمّن الحدث عروضاً لأربع مسرحيات جديدة للأطفال من مختلف الأعمار، كما أجريت حلقات نقاش موازية للعروض مع فنانين وتربويين وإعلاميين حول مسرح الأطفال وعلاقته بالتربية وبالإعلام.


أما عرض الافتتاح، فكان مع «متل الحلم» عمل مشترك بين جمعية «خيال» (لبنان) و«سوبيتو برستو» (فرنسا)، من إخراج كريم دكروب، وتصميم الكوريغراف لوتشيا كاربوني. تدور أحداث العرض في فرنسا، في منزل رجل لبناني (داميان تومي) متزوج امرأة فرنسية (نزلي برهوني)، وطفل وحيد (ماريليز عاد). وصول الجد اللبناني (فؤاد يمين) إلى فرنسا لقضاء أيام مع عائلة ابنه، يُدخل أفراد العائلة في ديناميّة مختلفة. في سياق عالم الاستهلاك الذي تغرق فيه العائلة الصغيرة، وفي ظل بطالة الأب، ونقمة الأم، وانعزال الطفل مع دميته، يخترق الجد عالمهم مواجَهاً بالرفض أولاً، ثم منتصراً بالخيال. ضمن سينوغرافيا حيوية، يُستثمر فيها الفيديو المستخدم أولاً لتبيان الطغيان الاستهلاكي على جو الأسرة، ثم المتحول رويداً إلى أداة للحلم. يخوض الجد حرباً ودودة مع أفراد الأسرة لجذبهم إلى عالم الخيال بعيداً عن الهموم والمخاوف. الأكثر إثارة في العرض، هو علاقة الحفيد بجده المحفوفة بالرفض والحذر. لسنا هنا أمام مسرح أطفال يعيد تكريس علاقة الأجداد والأحفاد المثالية، إذْ نشهد طوال النصف الأول من العرض الرفض الكليّ من قبل الحفيد لوجود الغريب المدعو جده، بل إنه ينصب له الكمائن، ويحاول إيذاءه، لكن، وسط تزايد المشاكل بين أفراد الجيل الثاني خلال العرض، يتقارب الجيل الثالث مع الأول، ليلتقيا في عالم لا تحكمه هموم المال والحاجات الدنيوية. يلتقيان في عالم الحلم، حيث يعود الجد إلى ذكريات جمعته بحبيبته، الجدة، التي فارقت الحياة، وإلى أيام قيادته القطار الذي سوف يكون السبيل إلى قلب حفيده. هكذا يسافر الجد والحفيد في قطار خيالي إلى عالم الأحلام. نجح العرض في إظهار ديناميّة العلاقات المختلفة والمعقدة التي تعبر الأجيال بحقيقتها القاسية أحياناً، لكن أيضاً ضمن إطار جمالي وشاعري.
أما العروض الثلاثة الأخرى التي قدمت خلال لقاءات «صندوق الفرجة»، فكانت حصيلة مسابقة تقدم إليها مخرجون شباب بمشاريع أعمال مسرح للأطفال، واختيرت ثلاثة منها، مع تقديم الدعم المادي لإنتاجها. هكذا، شاهدنا عرض «تيتين.. باي» لخلود ناصر، وهو موجّه إلى الجمهور ابتداءً من عمر السنة الواحدة، ويتناول كيفية التعامل مع موضوع الانفصال من خلال حكاية شعرية. جاد حكواتي ورؤى بزيع قدما العرض الثاني لعمر الثامنة وما فوق تحت عنوان «كل حكاية عباية»، حيث تدور أحداث العرض في سوق الكندرجية داخل مدينة محكومة بقوانين الحداثة. أما العرض الثالث «يا ورد مين يشتريك؟» لحسين نخال، فيتوجه إلى الجمهور الذي يتخطّى الست سنوات. ويتناول موضوعاً حساساً قلّما يتطرق إليه مسرح الأطفال اللبناني، وهو الموت وفقدان الأحباء. يعتمد العرض على تقنية الحكواتي عبر شخصية تعيش تحت سابع طبقة من بيروت (حسين نخال)، وتروي قصة طفل يفقد أمه. رغم قساوة الموضوع، فإن السينوغرافيا الغنية بتفاصيلها (دافيد حبشي)، والمؤلفة من مجسمات منمنمة، تتنقل ضمنها الشخصية الرئيسية، على شكل دمية، من العزاء إلى الكوريدور المؤدي إلى غرفة الأم، فرحلة في الطريق، والغابة... كلها مشاهد غنية بالتفاصيل، كما اللحظات الفكاهية والواقعية الحزينة، التي تتميز بجمالية عالية. عناصر ومناخات تخطف الطفل إلى عالم آخر، ومقاربة مختلفة لفكرة الموت، بينما الطفل نفسه ينجو من قساوة التفاصيل، ما دام متأكداً أنّ القصة خيالية، ومروية على لسان دمية، وهو ما يحرص العرض على إبرازه وتوضيحه بطرق مختلفة.




تستمرّ العروض حتى ٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ مسرح «دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/391290