دمشق | لم يعد حاتم علي يُحسب على الدراما السورية. الأمر صار يقيناً منذ أن فضّ شراكته مع «شركة سوريا الدولية» التي قدم معها أهم أعماله («أحلام كبيرة»، «صلاح الدين»، «ثلاثية الأندلس») وأسّس شركة «صورة للإنتاج الفني». كأنّ المخرج السوري ضلّ طريقه الإبداعيّ، مفضّلاً تسخير موهبته الاستثنائية للرأسمال الخليجي والعمل وفق معطياته محطاته الكبرى وشروطها.


حالما انتهى من تقديم صورة تجميلية عن واقع البدو بوحي من أشعار محمد بن راشد آل مكتوم وبمباركة من أمواله في مسلسل «صراع على الرمال»، راح يسهم في تسطيح الدراما السورية وتحويلها إلى المواضيع الساذجة عندما أنتج المسلسل الفنزويلي المعرّب «مطلوب رجال» للمخرجين سامر برقاوي وسامي الجنادي. على عجلة من أمره، أنجز في وقت مستقطع مسلسل «الغفران» ليقطع الطريق على منتقديه بأنه هجر الدراما الاجتماعية التي تلامس الواقع الحالي كما هو، من دون أن ينتبه إلى أنه يكرّر نفسه ولا يضيف جديداً إلى أعماله السابقة. ثم اتجه إلى قناة MBC التي تعدّه طفلها المدلل ما دام يُبدي استعداداً مطلقاً لتنفيذ مشروع تقترحه عليه. هكذا، أخرج مسلسل «عمر» الذي تناول سيرة عمر بن الخطاب. ذلك العمل الفني الذي يحكي سيرة الخليفة الذي ما زالت حياته تثير إشكالية كبيرة، عرض في رمضان الماضي بميزانية خيالية. بعيداً عن سوء الظنّ بأن المحطة الخليجية بالتعاون مع تلفزيون «قطر»، لم يهدفا عبر العمل إلى تكريس خطاب طائفي يزيد حالة الانقسام في عالمنا، نجح المسلسل فعلاً في نقل الدراما إلى مكان جديد كسر المحظورات المتعلقة بتجسيد شخصيات الأئمة والخلفاء الراشدين، رغم الوصاية الدينية الواضحة على العمل.
ورغم إحساسه بأن الأزمة السياسية السورية ستترك أثرها البالغ والجذري على الدراما السورية، إلا أن المفاجأة كانت أنّ صاحب «عصي الدمع» وعد جمهوره بمواصلة إخراج المسلسلات التاريخية. ويبدو أن الدراما الدينية قد راقته، إذ صرّح في أكثر من لقاء أنه ينوي إنجاز مسلسل تاريخي ديني عن ثامن خلفاء الدولة الأموية عمر بن عبد العزيز وهو حفيد عمر بن الخطاب لجهة أمه. يلقّب عمر بخامس الخلفاء الراشدين لأنه سار على نهجهم وعرف عنه التقشف والزهد بالحكم، كما عرف عنه العدل ونبذ الظلم خلال فترة خلافته القصيرة التي كانت ملأى بالأحداث التي تصلح لأن تكون مادة درامية مشوقة. لكن يبدو أن حاتم علي قد نسي أنه سبق للدراما المصرية أن قدّمت سيرة هذا الخليفة في تسعينيات القرن الماضي، وقد أدى دور عمر بن عبد العزيز آنذاك النجم نور الشريف ضمن مسلسل كتبه عبد السلام أمين وأخرجه أحمد توفيق. مع ذلك، لا يجد صاحب «الفصول الأربعة» ضيراً في إعادة إنتاج المسلسل الآن، نظراً إلى استثنائية الشخصية وعدلها ضمن الفترة القصيرة التي تسلّمت فيها الحكم. لا يزال الغموض يسيطر على المسلسل، ولم يفصح المخرج عن الكاتب والجهة المنتجة، إلا أنّ مصادر ترجّح أنّ علي سيواصل شراكته مع وليد سيف الذي كتب «عمر»، ليكتب هذه المرة سيرة عمر بن عبد العزيز وتكون MBC هي المنتجة وصاحبة الحق الحصري في عرض العمل الفني. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الحكمة التي تكمن وراء غوص المخرج السوري أكثر في القصص التاريخية للعرب والاختباء من العواصف التي تحدث اليوم في بلاده؟ وهل المال وحده السبب الذي يجعل المخرج يركض وراء الأعمال التاريخية؟