بلغة شرسة وغير مبالية إن كانت مفرطة في السردية أو ممزوجة بمعجم سريالي، يكتب رحمن النجار (1959) قصائد ديوانه «أشياء» (الحضارة للنشر). منذ الصفحة الأولى، يقترح علينا الشاعر العراقي المقيم في الدنمارك «أشياء» مختلفة تجعل الشعر طازجاً ومُعدياً. ربما لا تكون نصوص الديوان كلها على سوية واحدة، ولكن كل واحد منها ينطوي على طموحاتٍ شعرية، يسعى صاحبها إلى تسجيل اسمه خارج البضاعة الشعرية المتشابهة. لا يخترع النجار قصيدته من لا شيء طبعاً، لكنه يمتلك مهارة لافتة في تخصيب استثماراته، ومزجها مع مخيلته الخاصة، كأن يقول: «هناك، حيث لا يمكن التعبير عن أي شيء، حيث لا يُقال للجبل جبل ولا للنهر نهر، هناك سأرى إذا ما تسنّى لحرارة واتّقاد كلّ ما توصلتُ إليه... أن يُشعل أعواد الثقاب كلها دفعة واحدة». باستعاراتٍ منحرفة قليلاً عن السياق العمومي، يستجيب الشاعر للغةٍ متدفقة يمكن القول إنها تحتاج إلى ضبطٍ ما لسيولتها وتدفقها الضاري، ولكنها لا تستجيب لهذا الضبط كي لا تخسر جزءاً عزيزاً من روحها وحيويتها. كأن القارئ مطالبٌ بأن يقبل بما يقرأه، وأن يُؤجّل ملاحظاته، كي يحظى بهذه المادة الشعرية التي يَعدهُ بها شاعرٌ يفضّل التسكع على هامش الأوتوستراد العريض للشعر: «كنتُ اتفقتُ مع الخريف نيابةٍ عن الشجر/ وأذنتُ للغروب أن يبيت الليل في بستان النخل/ أجمل الرؤية أن تغيب لتعالج القيامة/ لستُ مديناً لأحدٍ بشيء/ فقط لتعرف أيها الغد/ يا عائلة الماضي».


بهذا الشعر، يذكّرنا رحمن النجار بفكرة شبه بديهية عن الاحتياطي الفذّ للشعرية العراقية التي لا تزال قادرة على إدهاشنا من وقت لآخر بأسماء جديدة ونصوص مشاكسة. سركون بولص، على سبيل المثال، ليس بعيداً عن المنجز السردي والحواري الذي يخوض فيه الشاعر، ويعود منه بكنوزٍ واستعارات محبّبة، كأن يقول: «الفجر حادثة في عيننا المُسهدة»، أو «أبكي وأنا على اليابسة وتضحك لي الموجة»، أو «دعونا نتحدث عن عُرينا بملابس خفيفة»، أو «نحنُ وسَكَنة السماء، يتصفّح أحدنا الآخر». صورٌ مثل هذه تتلامع في أغلب قصائد الديوان، بينما الشاعر يبدو كمن يتبادل آلاماً وندوباً شخصية مع اللغة. كأن قوة التعبير متأتية من هذه «اللعبة» العبثية للوجود، حيث يستطيع الشاعر أن يصرخ: «المسيح صُلب على نفقة عذابه الخاص/ ماذا عن عيشنا يا آدم؟».