القاهرة | خلال كلّ التظاهرات والفعاليات التي شهدتها «ثورة 25 يناير» وما تلاها في ميدان التحرير، كان المتظاهرون هم الذين يحددون الكاميرات التي يُسمح لها بدخول الميدان أو تلك التي يعتبرونها ناقلة للكذب ومحترفة للتشويه. بالتالي، لم يكن يحق لعدساتها تسجيل ما يحدث، وبالطبع لم تتعرض «الجزيرة مباشر مصر» يوماً لأي محاولات للمنع داخل ميدان التحرير على عكس تظاهرات أنصار مبارك في ميدان العباسية قبل انتهاء الفترة الانتقالية.


بالتالي، لا يمكن أن يكون الثوار وراء ما حدث أمس لمكتب «الجزيرة مباشر مصر» في ميدان الثورة على رغم كل الخلاف حول المنهج الذي باتت «الجزيرة» تعتمده منذ تنحّي حسني مبارك وانحيازها إلى التيار الديني، خصوصاً الإخوان المسلمين كما يتهمها الثوار من مختلف التيارات
السياسية.
مع ذلك، وجدت المحطة القطرية التي تعرّض مكتبها لحريق بقنابل المولوتوف الحارقة أمس، تضامناً كبيراً والتفافاً جماهيرياً لم يخلُ من أسلوبها التقليدي في استقبال المكالمات المؤيدة من الجمهور المصري والعربي لكن هذه المرة على استديو الدوحة.
فعلياً، لا يوجد لـ«الجزيرة مباشر مصر» استديو ثابت في القاهرة، وهي لا تزال تعمل من دون ترخيص منذ أن قرّر وزير الاعلام الأسبق أسامة هيكل إقفال مقرها الأساسي عند نيل العجوزة. منذ ذلك الحين، تتنقل «الجزيرة» بين أكثر من مقر، أبرزها ذاك الذي تم حرقه ظهر أمس في ميدان التحرير.
مقار القنوات والفضائيات المتواجدة في ميدان التحرير هي أصلاً عبارة عن شقق كانت مملوكة لشركات سياحة وتجارة.
لكنّ أصحابها استفادوا من رغبة الكاميرات في التواجد في هذه البقعة إبان الثورة، فغيّروا النشاط ليؤجروا مقارهم للقنوات التي غالباً ما تحمل جنسية غير مصرية، إذ إنّ المحطات المصرية هي أكثر تحفظاً في الوجود الدائم داخل الميدان. وبطبيعتها، تنقل «الجزيرة» الأحداث اليومية، وبالتالي تستفيد من وجودها في الميدان حتى لو لم يكن هناك أي تظاهرات، لأنّ الحوار دائماً يتركز هناك حول الثورة والانتخابات والبرلمان وغيرها من الفعاليات المرتبطة دوماً بوسط القاهرة. وبالعودة إلى الحريق الذي نشب في مكتبها أمس، قال شهود العيان إنّ أكثر من 8 زجاجات حارقة ألقيت على المكتب الذي يقع في الطابق الأول من بناية شهيرة في ميدان التحرير، تعتبر الأقرب إلى المنصة الرئيسية التي تقام عندما يشهد الميدان تظاهرة مليونية. أما عدد الزجاجات، فيؤكد على شبهة التعمد وعلى أنّ المكتب لم تطله زجاجة طائشة، والدليل أنّ النيران أتت على محتوياته بالكامل. قيادات وزارة الداخلية انتقلت إلى الموقع، وسيطر الدفاع المدني على الحريق من دون وقوع اصابات وقبل أن يمتد إلى باقي البناية. وقد قرّر النائب العام عبد المجيد محمود فتح تحقيق فوري في الحادثة.
لكن مَن يعرف جيداً مجريات الأحداث في مصر منذ الثورة، يدرك أنّه لن يتم القبض على أي متهم وأنّ مَن فعلها استغل الزحام كالعادة وهرب. ولو كان بالامكان القبض عليه، لحدث ذلك وقت وقوع الحريق. مَن المستفيد؟ ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال أسهل من البحث عن الفاعل. المستفيد هو من يريد تشويه الثوّار وتعطيل نقل الأحداث من ميدان التحرير.
رغم أنّ هناك علامات استفهام كثيرة على تغطية «الجزيرة»، إلا أنّها تظل القناة الأقرب إلى الشارع في حين أنّ القنوات المصرية محاصرة داخل أسوار مدينة الانتاج الاعلامي.
شاشة «الجزيرة» ومراسلها لم يتوقفا عن نقل ردود فعل الجمهور على الحادثة من أسفل المكتب المحترق. لكنّ ألسنة اللهب التي انطفأت سريعاً، لا تزال مشتعلة تحت الرماد، وهي تنتظر فرصة أخرى، فمن ستكون الضحية التالية بعد «الجزيرة»؟