غزة | هذه المرة، لم تتوجه كاميرات المصوّرين إلى عائلة عواجة التي سبق أن خطفت الحرب الاسرائيلية على غزة عام 2008 ابنها ابراهيم (12 عاماً) وأصابت الأب والأم إصابات بالغة وأفقدتهم منزلهم، فاضطروا للسكن في خيمة علّقوا على بابها صورة طفلهم الشهيد. هذه المرة، حالف الحظ هذه العائلة لأنّها بدّلت مكان إقامتها الذي كان عند المنطقة الحدودية (شمال قطاع غزة) إلى منطقة تبتعد قليلاً عن نقطة تمركز القصف الإسرائيلي، فنجت من همجية الاحتلال.


لكن لخيمة هذه العائلة قصة طويلة بدأت منذ أن قدّمتها لها لجان الاغاثة لتتحول على مدى عامين إلى مضافة عربية استقبلت الكثير من الصحافيين العرب والأوروبيين بمختلف جنسياتهم. هناك فوق أرضيتها الرملية، أجرى هؤلاء مقابلاتهم، وأنجزوا مشاهد لأفلامهم الوثائقية، وتناولوا الطعام بصحبة العائلة وأطفالها، ولم يخفوا تأثرهم بمصاب العائلة واستشاد ابنها ابراهيم (12 عاماً). وسرعان ما تحول غالبيتهم إلى أصدقاء مقربين تتفقدهم ربّة البيت الشابة أم صبحي (35 عاماً) هذه الأيّام. لا تتوقف السيدة الفلسطينية عن تعداد أسماء من زاروا خيمة العائلة خلال هذه الحرب، خصوصاً مترجمي الصحافيين. من خلال هؤلاء، تبادر أم صبحي إلى الاطمئنان على شبكة علاقاتها الصحافية التي أورثها إياها عدوان 2008. وقد باتت حريصة على حفظ أرقام هواتف أولئك الصحافيين، ولا تكتفي بحفظها داخل ذاكرة هاتفها الخلوي، بل تدوّنها في نوتة خاصة ويصل عددهم إلى 65 صحافياً: 25 منهم لم تنقطع عن التواصل معهم في الأفراح والأحزان والمناسبات المختلفة منذ أيام الخيمة وحتى الآن. والباقي تعرفهم بأسمائهم الأولى لكن نادراً ما تتذكر أسماء عائلاتهم. «العلاقة الأخوية» بالصحافيين كما تصفها أم صبحي وطدتها أجواء العدوان والحروب ومآسيها. في محاذاة الألم، نُسجت علاقات انسانية مؤثرة بين العائلة والصحافيين الذين يطمئنون دورياً على أم صبحي. في المقابل، هي تسألهم عن صحتهم ومستقبلهم المهني، خصوصاً أنّ غالبيتهم يتحول إلى مراسلي حرب يتوغلون في أكثر المناطق خطورة استجابة لواجبهم المهني. قلق أم صبحي على أصدقائها، ليس غريباً بقدر ما يبدو منطقياً يسير بالتوازي مع مواكبة أخبار استهداف الصحافيين أولاً بأوّل بدءاً باستهداف «برج الشروق» و«برج شوا» و«حصري» مروراً بإصابة العديد من الصحافيين وصولاً إلى استشهاد مراسلي فضائية «الأقصى» محمود الكومي وحسام سلامة أول من أمس خلال تأدية واجبهما المهني ودفاعهما عن الحقيقة. هكذا صارت أم صبحي كأنّها ولية أمر هؤلاء الصحافيين والمسؤولة المباشرة عن شؤون حياتهم والمخاطر المحدقة بمهنتهم. يتشارك بقية أفراد العائلة بالسؤال عن هؤلاء، معتبرين أنّ ذلك دور من الأدوار المنوطة بهم وواحدة من «أفضال» الحروب. تلك الحالات الإنسانية والصداقات التي تنسج بين الغزاويين والصحافيين تشكّل واحة وربما استراحة من همجية الحرب الاسرائيلية وآلة العدوان التي لا تتوقف.