أن يأتي متأخراً خير من أن لا يأتي أبداً. هذا ما يقوله محبّو Sting من الجمهور اللبناني الذي تمنى حضور حفلة حية له أواخر التسعينيات. في تلك الفترة، بلغت شهرة المغني البريطاني، وعضو فرقة The Police، ذروتها عالمياً وعربياً. الألبوم الذي أصدره عام 1999 بعنوان Brand New Day اكتسح مبيعات الأسطوانات في العالم، أقله في فئته: البوب التجاري. وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهها له الذين أخذوا عليه رضوخه لمنطق السوق (تماماً كما حصل مع سانتانا في الفترة ذاتها!)، بعدما كان يتمتع أيام «ذو بوليس» بالحدّ الأدنى من المستوى، فقد شكّل هذا الألبوم مفصلاً في مسيرته.


أضف عربياً، أنّ الأغنية الضاربة في الألبوم Desert Rose («زهرة الصحراء» التي منحه عنها «المعهد العربي الأميركي» جائزة «روح جبران خليل جبران الإنسانية»!) حاكت مجتمعنا نصاً ونغماً، وعزّزتها مشاركة مغني الراي الشاب مامي في كتابتها وأدائها. هنا ندخل إلى عنصر إضافي في تحقيق ستينغ هذه الضربة الفنية الموفّقة تجارياً. آنذاك، لم يكن الشاب مامي فقط في عزّه، بل كل «شباب» الراي، حيث تزامن صدور جديد ستينغ مع اجتياح الراي العالم عبر ألبوم «1، 2، 3 Soleil»، بالتالي شكّل «التعاون» مع هذه الموسيقى شرطاً للنجاح التجاري.
إذاً، ستينغ (1951) في بيروت بدعوة من Mix FM.
تأتي هذه المحطة ضمن جولة بعنوان Back to Bass التي أرادها تتويجاً لربع قرن من مسيرته الفنية الصاخبة، بدأها المغني الستيني في نهاية 2011 وتستمر لغاية منتصف الشهر المقبل، حيث تُختتم في جاكارتا (الهند).
ستينغ، المغني والكاتب والموسيقي المخضرم مولود عام 1951. بدأ مسيرته على رأس فرقة «ذو بوليس» عام 1977، قبل أن يستقل في أواسط الثمانينيات. هذه البداية حققت له دفعاً قوياً من خلال أغنيات طبعت مزاج الشباب في تلك المرحلة، مثل «روكسان» أو Message In a Bottle التي كان أقرب إلى الرسالة السياسية وThe Russians التي انتقد فيها قطبي الحرب الباردة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (علماً أن المستهدف منها كان الطرف الثاني، إذ حمل النص تحريضاً واضحاً للشعب الروسي ضدّ قياداته). هذا التوجّه هو من ثوابت ستينغ، إذ طالما سخّر أغنيته لقضايا إنسانية واجتماعية أو سياسية مباشرة في مقاربة أقرب إلى الرأي العام الغربي الساذج، ولو أصابت أحياناً (انتقاد نظام بينوشي القمعي).
لا شك في أنّ مسيرة ستينغ أغنى من أن تُختصَر. لكن، لا بد من التوقف عند الحدث الأبرز الثاني الذي طبع مسيرته، بعد Brand New Day.
المفارقة اقتضت أن يندرج الحدثان في خانتيْن نقيضتيْن. بعد مفصلٍ عنوانه التجارية، ذهب ستينغ إلى مشروع كلاسيكي، هو آخر ما أنتجه، ويقوم على ثلاثة ألبومات.
الأول هو إعادة تقديم مجموعة من أشهر أغانيه بمرافقة أوركسترالية. سبقه كثيرون من زملائه إلى هذه الخطوة. لكن المفارقة لا تكمن في النمط الموسيقي فحسب، بل في الناشر (الألماني) الذي ارتضى ضمّ العمل الذي حمل عنوان Symphonicities إلى كاتالوغه الذي يُعَد ــ من دون مبالغة ـــ الأهم في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية الغربية: دويتشيه
غراموفون.
هذه «الردّة» الفنية، مهّد لها ألبومان عند الناشر ذاته، ظهر في الأول ستينغ مغنياً كلاسيكياً زائراً أغنياتٍ من عصر النهضة الإنكليزي (معظمها للمؤلف الشهير جون دولاند)، وفي الثاني (If on a Winter’s Night)، أدى أيضاً مواطنه الأشهر من فترة بدايات حقبة الباروك، هنري بُورْسَل.
إذاً، مساء الأربعاء المقبل، يصل ستينغ إلى بيروت بعد يومين من حفلةٍ في تركيا.
أما بلاد حضارة قتل الأطفال، فليست على جدول الجولة. لحسن الحظ. ففي هذه الظروف لا تكون المواجهة بالأقلام، مهما لذعت!




ستينغ: 9:00 مساء 28 تشرين الثاني (نوفمبر) ــــ «بيال» (وسط بيروت) ـــ للاستعلام: 01/995555