«أخطأ من لقّب القاهرة بـ «المدينة التي لا تنام». فلسطين أيضاً لا تنام. تسهر ليلتها في «مستشفى الشفاء» بين جراح المصابين وترقّب لارتقاء شهداء فداء فلسطين» تلك كانت أول تغريدة كتبتها على حسابي حالما وطأت قدماي المنفذ المصري من ميناء رفح البري ورأيت غزة الجريحة. بمجرد وصولنا إلى «مستشفى الشفاء» في قطاع غزة، لم تتوقف صافرات سيارات الإسعاف حاملةً الشهداء والجرحى والأطفال الذين ذهبوا مع عائلاتهم بالكامل مثلما حدث مع عائلة «الدلو» التي قصفت اسرائيل منزلهم، فأودت بحياة عشرة من أفرادها منهم نساء وأطفال وشيوخ. تذكرت ما كتبته قبلاً حين استنكرت الصمت والتجاهل العربي، كاتباً: «انتابتني حالة من الدهشة، وأنا أتابع أخبار العدوان الصهيوني على غزة، ليلة الأحد، من سرعة تبرير الحكومة الإسرائيلية لقصف مدفعية الاحتلال لحي الشجاعية شرق فلسطين، مدعين أنّ القصف يستهدف فصائل المقاومة المسلحة!».

واستمرت حالة الدهشة والحزن، وأنا أتذكر ابن الدُرّة شهيداً، وكيف اقتنص رصاص الجنود الإسرائيليين روحه من حضن والده. وأتذكر مدينة جنين التي صرخت مرات من هول ما رأت من مذابح. وأتذكر الانتفاضة برمتها، ومقتل المئات برصاص الإسرائيليين. وأتذكر الحرب على غزة في 2008، وما خلّفته من دمار. وأتذكر دير ياسين، وبئر السبع، وتدنيس الأقصى من جنود الاحتلال، واقتحامه، والاعتداء على المصلين فيه...

وأتذكر وأتذكر وأتذكر. رأيت مئات المشاهد أمامي لجرائم اسرائيلية في حق «صاحب الحق» المجبر على أن يصمت بعد كل جرح، وبعد كل جنازة يودّع فيها شهداء الحق والمقاومة.
رأيت في «مستشفى الشفاء» مأساة انسانية وأطفالاً شهداء و10 شهداء من عائلة واحدة وأخاً استشد أخواه وأطباء لا ينامون وسيارات إسعاف لا تتوقف وقصف مستمر. رأيت الاحتلال وهو يقيم حفلاً على شرف وصولنا إلى المدينة، فكان يقصف الاماكن المجاورة لمكان تواجدنا في رفح وغزة أكثر من مرة.
شوارع تسكنها الاشباح ويهجرها الناس خوفاً من أن تصيبهم قذيفة مدفعية أو بارجة أو صاروخ من طائرة.
مستشفى يضم مئات الجرحى والشهداء يقطع عنه التيار الكهربائي بسبب نقص الطاقة في المدينة وسيارات إسعاف تعمل بالتناوب لأنّ ليس في المدينة ما يكفي من الوقود.
أطباء يعملون تحت ضغط الحرب لأكثر من 72 ساعة متواصلة بسبب نقص الموارد البشرية والكوادر الطبية في المدينة. رأيت في غزة أهلاً لست بابنهم يحتفلون بوصولي ويتوددون إليّ ويتفننون في تقديم واجب الضيافة بكل حب وود على الرغم من بساطة وضعهم المعيشي وقلة حيلتهم وحياتهم التي أفنوها في خدمة القضية وفي مواجهة الإحتلال.
رأيت في غزة مصوراً يبكي من هول ما رآه من استهداف للأطفال والنساء ومن شهداء وجدت قطعة منهم ولم يستطع أحد العثور على بقية أشلائهم بعدما فتتتها قذيفة العدو، فتحول البطل إلى أشلاء تذروه الرياح.
رأيت في غزة ملهمي، مَن علمني قديماً أن أحمل الحجر وأواجه به السلاح المصوب إلى جسدي ولا أهاب الموت ويعلمني دائماً معنى الصمود. زيارة غزة منذ أيام لم تكن نهاية حلمي بتحقيقه. لكنّها فتحت جراحاً لن تندمل الا بصراع طويل وأحلام أكبر من مجرد زيارة أرض فلسطين والتواصل مع شعبها. الآن، حملت رسالة من أهل غزة ويجب عليّ أن أكون أميناً عليها وأنشرها بقدر ما تستحق، وأحقيتها تأتي من المأساة التي عشتها ورأيتها على الأرض. فلسطين كانت وستكون أبداً مقاومة رافضة لكلّ ظلم، صامدة في وجه أي ترسانة عسكرية. وفي يوم ما، سيعود صديقي الذي تعرّفت إليه تحت القصف إلى مدينته اسدود، وسيعود آخر إلى يافا وسأزور حيفا كما زرت غزة، وستكون القدس منتهايا. عاشت فلسطين وستعيش أبداً. ويوماً ما، سوف ترسم الابتسامة على وجه حنظلة.
* صحافي مصري