الحرب من جديد كأننا نسينا ذاكرة الحرب الأولى لتأتي هذه الجديدة وتفجرها بداخلنا. مع كل صاروخ أسمعه، يتجدد خوفي. ليس خوفاً من الصاروخ، لكنه الخوف المؤلم على كل من أحب، على أطفالي الصغار يحرمون من وقتهم وطفولتهم، يسمعون أصواتاً لا أملك تفسيراً منطقياً لها ولا أملك أن أجعلها تتوقف ليناموا بسلام. يا لهذا العجز الكبير! كيف يمكن لصوتٍ أن يكون بهذه القسوة وأن يتحول إلى كابوس يومي نحاول تجاوزه وعدم الإصغاء له، لكنه رغماً عنا يزلزل دواخلنا قبل أجسادنا لنهرع بعد سماعه إلى أجهزة الراديو لنعرف إذا ما زلنا أحياء أو أن هذا الصوت هو نذير نهايتنا.


لا نريد أن نكون أبطالاً ولا نريد أن نكون مهزومين. نريد فقط أن نحيا كما يحيا البشر العاديون في مدنهم الصغيرة بأحلامنا البسيطة وسقف من الأمان يجلس تحته أطفالنا. في هذه المدينة التي تحترف الموت والمتناقضات، يمكن لكل شي أن يحدث، ولا شيء يحدث حقاً. تستمر اللعبة السخيفة التي نعيشها منذ أن نولد وحتى نموت، وما بينهما لا يمكن حصره ولا يمكن نسيانه. ولا يمكن تذكره أيضاً. ما هذه المفارقات العجيبة التي تضعنا في أول صفحات الأخبار ونشراتها وتقصينا بعيداً في داخلنا خائفين من خوفنا وعارين تماماً أمامها؟ الجميع يحفظ مسلسل الرعب جيداً، لكننا في كل مرة نتباهى بجهلنا. هل أنتم بخير؟ لم هذا السؤال المزعج كأنّ كل ما يحدث يجوز أن نسمّيه خيراً؟ ما الخير في صباح يبدأ بموت جديد ونهار لا يحمل سوى ألمه وذكرياته الممزقة ووعد بليل لن يكون رحيماً بنا. الليل هنا أكثر عتمة. أصوات كثيرة تتآمر علينا وتنسف أحلامنا وأحلام أطفالنا بالنوم فقط. يوم يليه يوم، وآخر لا يختلف. كم تتشابه الأيام في هذه الأوقات، ما يختلف فيها هو مدى الأسى الذي تضيفه لذاكرتنا المثقلة بحملها القديم. لقد سئمنا هذه اللعبة التي لا تنتهي. نريد وقتاً صالحاً للحياة وصباحات لا تحمل رائحة الخوف والأسى.
* كاتبة فلسطينية مقيمة في غزة