مرحلة جديدة دخلتها الدولة الفرنسية بعد الإعتداءات التي ضربت باريس ليل الجمعة، مخلّفةً 129 ضحية وأكثر من 300 جريح. مرحلة وصفت بـ 11 أيلول (سبتمر) الفرنسي. يكفي تصفح عناوين الصحف الفرنسية التي صدرت صبيحة السبت عشية الإعتداءات الإرهابية لتلّمس خطورة الوضع. صحيفة «لو باريزيان» عنونت «إنها الحرب...هذه المرة»، فيما اتفقت أغلب الصحف الأخرى على توصيف ما حصل بـ «الإرهاب» الذي يضرب العاصمة الفرنسية.


منذ اللحظات الأولى لسلسلة الإعتداءات هذه، تعامل الإعلام الفرنسي مع الحدث بمسؤولية بحكم أخلاقيات وقوانين مهنية تحتّم عليه ممارسة رقابة عالية في نقل المعلومة والصور المرافقة. فيديوات قليلة تسرّبت كشريط الصحافي في «لوموند» دانيال بسيني الذي يسكن على مقربة من مسرح «باتاكلان» الذي شهد مجرزة مرّوعة. وثق الصحافي هروب العشرات من أبواب الطوارىء. شريط آخر نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية» للحظات الأولى لإعتداء «باتاكلان» يظهر مشاهد مرّوعة ودامية.


تغطية انسانية ومهنية
مقابل توظيف سياسي في «الجزيرة» و«العربية»

الحديث اليوم في الصحافة الفرنسية يتركز على معرفة هوية الإنتحاريين الإرهابيين. صحيفة «لو فيغارو» اليمينية أوردت في عددها أمس أن فرنسا طلبت من السلطات اليونانية التأكد بأنّ أحد منفذي هذه الإعتداءات قد يكون من المهاجرين الآتين من سوريا عبر أراضيها. وكما تورد الصحيفة الفرنسية، فإن جواب اليونان أتى إيجابياً مع تأكيدها على أن المنفذ تواجد في مدينة ليروس اليونانية في 3 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في إنتظار تطابق بصماته مع بصمات الانتحاري. هذه النظرية في تأكيد هوية الإنتحاريين بأنّهم سوريون، ظهرت بداية مع انتشار خبر وجود جواز سفر سوري الى جانب جثة أحد المنفذين (مواليد عام 1990) في «استاد دو فرنس». واستكملت مع شهادة القاضي السابق الفرنسي المختص في شؤون الإرهاب مارك تريفيديك للصحيفة نفسها. حلّل الأخير طريقة وضع هؤلاء الإرهابيين لأحزمتهم الناسفة، وكيف يتنقلون بها من دون أن تنفجر. وهذا الأمر يحتاج ــ وفق تريفيديك ـــ للتحضير أكثر من خمسة أشهر، ولم يستبعد أن يكون هؤلاء المنفذون يدورون في محور «المعارك التي تحصل في سوريا والعراق». وكان ملفتاً هنا حرص الميديا الفرنسية على التفريق بين الإرهاب والإسلام، وعدم توظيف هذه الإعتداءات الدموية ضد الفرنسيين المتحدرين من أصول مهاجرة، الذين يتحولون عادة الى كبش فداء. بينما كان الإعلام الفرنسي ومعه الأميركي ــ وحتى «سي. أن. أن» ــ يحرص في تغطيته الأولى للاعتداءات على تقديم مقاربة انسانية، وعلمية، كانت «الجزيرة» و»العربية» تواصلان «هواياتهما» في توظيف كل حدث ومأساة في صالح السياسة التي تخدمانها والتصويب على النظام السوري من النافذة الباريسية هذه المرة.
ضحايا الإعتداءات الدامية الذين توزعوا على جنسيات مختلفة، أصرّ الناشطون على السوشال ميديا على إعادة نشر صورهم الجميلة والتعليق عليها بأن لكل «وجه منهم قصة»، كما كان لصور «السلفي» الملتقطة قبيل الإعتداء صدى واسع، إذ لاقت صورة حبيبين كانا يتحضران لحضور حفلة فرقة eagles of death metal الأميركية في الـ «باتكلان»، وهما يرتشفان البيرة انتشاراً كبيراً. هذه الصورة التي أصبح فيها صاحباها ضمن الضحايا، استحوذت على أكثر من 5 الآف إعجاب و300 تعليق من الناشطين حول العالم. وحرص الناشطون على التفريق بين الإسلام والإرهاب عبر هاشتاغ «المسلمون ليسوا إرهابيين» (بالفرنسية)، وطبعاً لم يخل الأمر من بعض التعليقات المسيئة والمحرّضة على الكراهية، لكن تبقى الصورة النهائية لتعاط عالي المهنية والمسؤولية.