في غضون يومين، شهد العالم جريمتين إرهابيتين مروّعتين. الأولى يوم الخميس الماضي في برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية، راح ضحيّتها 43 شخصاً، قبل أن يلقى 129 على الأقل حتفهم في إعتداءات متزامنة في العاصمة الفرنسية في اليوم التالي. صحيح أنّ الجريمتين حملتا توقيع «داعش»، وسجّلتا خسائر في صفوف الآمنين الأبرياء، غير أنّ تعاطي العالم، خصوصاً الإعلام الغربي إختلف كثيراً بين المرّتين.


هبّت الميديا الأجنبية لتغطية «المجزرة» التي وقعت في عاصمة الأنوار مقابل شبه غياب لها في اليوم الفائت عمّا حدث في العاصمة اللبنانية. جولة سريعة على «غوغل ترندز»، تظهر الفارق الكبير لجهة العناوين الصحافية وإهتمامات البحث بين الإعتداءين اللبناني والفرنسي، لصالح الثاني طبعاً! مع العلم أنّه بعدما ضرب الإرهاب فرنسا يوم الجمعة الماضي، ذيّل محرّك البحث «غوغل» صفحته الرئيسة الخاصة بلبنان بشارة حداد سوداء.
وفي إطار انتقاده لتعاطي الإعلام الأجنبي عموماً، والأميركي تحديداً، مع موت الأبرياء في دول العالم الثالث، قال الصحافي دايفد سوانسون أخيراً إنّ الميديا الأميركية «لا تعترف بأنّ القتل في اليمن أو باكستان أو فلسطين هو إعتداء على إنسانيتنا المشتركة».


الميديا الأميركية «لا تعترف
بأنّ القتل في اليمن أو
باكستان أو فلسطين إعتداء
على إنسانيتنا المشتركة»

الإختلاف ظهر جلياً على فايسبوك أيضاً في جوانب متعدّدة. وفّر الموقع الأزرق خاصيةً إضافة العلم الفرنسي إلى الصور الشخصية للمستخدمين، تضامناً مع ضحايا الإرهاب. وهي خطوة إنتشرت بقوّة قبل فترة حين أقرّت المحكمة الأميركية العليا زواج المثليين في كلّ الولايات. يومها، كان بإمكان مؤيدي هذا القرار إضافة ألوان علم المثليين والمتحوّلين جنسياً ومزدوجي الميول (LGBT) إلى صور البروفايل. وفي الوقت الذي عمد فيه الكثير من اللبنانيين إلى تزيين صورهم الفايسبوكية بالأحمر والأبيض والأزرق أي علم فرنسا، واجه آخرون الأمر بالإستنكار. بعضهم اعتبر أنّ التضامن يجب أن يشمل كلّ ضحايا الإرهاب في العالم لأنّه لا «ضحايا بسمنة وضحايا بزيت»، فيما رأى آخرون أنّه من الأولى «التعاطف مع أبناء البلد»، خصوصاً أنّ ما حصل هو «نتيجة دعم فرنسا الرسمية لـ «داعش» وأخواتها». وفي غضون ذلك، ردّ عدد من روّاد فايسبوك على هذه الخطوة بإضافة العلم اللبناني إلى صورهم، بينما اختار غيرهم إضافة العلم الفلسطيني والسوري...
إختلاف آخر برز على فايسبوك، تمثّل في توفير ميزة Safety Check مباشرة بعد حصول الإعتداءات الداعشية في باريس. هذه الميزة تمكّن الموجودين هناك من إعلام الآخرين بأنّهم بخير، وبالتالي الإطمئنان على بعضهم. توفير هذه الخدمة ولّد حالة من السخط العارم محلياً على السوشال ميديا: «كأنّ من يسقطون جرّاء الإرهاب في الدول الفقيرة والعربية ليسوا بشراً».
ولأنّ حجم الإستنكار كان عارماً، ردّ مؤسس فايسبوك، مارك زوكربيرغ، أوّل من أمس على الموضوع عبر صفحته الرسمية على الموقع، مؤكداً أنّ كل التساؤلات والهواجس حول تفعيل الميزة لباريس وليس لبيروت وأماكن أخرى «محقة». وأضاف: «حتى الأمس، كانت سياستنا تقتصر على تفعيل هذه الميزة في حالة الكوارث الطبيعية. لقد عدّلناها للتو ونخطط الآن لتفعيلها لكوارث إنسانية أخرى». زوكربيرغ شكر جميع من أرسل تساؤلاته، مشدداً على أنّه «أنتم محقون، هناك صراعات هامة أخرى في العالم. نحن نهتم لأمر كلّ الناس».
وتعبيراً عن رفض التمييز بين ضحايا الإرهاب في فرنسا ولبنان، تناقل روّاد مواقع التواصل الإجتماعي قصيدة معبّرة نشرتها المدوّنة الهندية كارونا إزارا باريخ على تويتر، جاء فيها: «علينا أن نصلّي للعالم كلّه. إنّه عالم تعاني فيه بيروت من التفجيرات من دون أن يغطيها الإعلام. إنّه عالم تنفجر فيه قنبلة في تشييع في العاصمة العراقية من دون أن يتضمّن أي ستاتوس كلمة بغداد...».
ولعلّ تعليق الباحث الإيراني حميد دباشي على فايسبوك يعبّر بأمانة عن وجهة النظر هذه: «هجوم لـ «داعش» في أفغانستان يستهدف أبرياء: إعتداء على شيعة الهزارة. «داعش» يستهدف الأبرياء في بيروت: إعتداء على حي ذا غالبية شيعية. «داعش» يعتدي على الأبرياء في باريس: إنّه اعتداء على الإنسانية جمعاء. تعاطفي العميق مع كل الضحايا الأبرياء لعصابات «داعش» القاتلة في أفغانستان، ولبنان، والعراق، وسوريا... وفرنسا».