تحت عنوان «المثقف العربي والحاكم» (دار الساقي)، يسعى حسين العودات إلى تأطير العلاقة التاريخية بين المثقف العربي والسلطة بدءاً من العهد الأموي وصولاً إلى الأزمنة الحديثة. قبل أن يحدد الكاتب السوري معالم هذه الثنائية التي درسها كثيرون، يستهل بحثه في تعريف مصطلحَي الثقافة والمثقف. بعدها، ينتقل إلى تحديد مفهوم المثقف ومهماته، جاعلاً من غرامشي الذي أقام تمييزاً بين المثقف العضوي والمثقف التقليدي، أساساً له في بحثه. وفي المقابل، يرصد مقاربات الأنتلجنسيا العربية والإسلامية، فيتطرق إلى إدوارد سعيد، ومحمد عابد الجابري، وحليم بركات، وجورج قرم، ومحمد أركون، وخليل أحمد خليل، والباحث الإيراني داريوش شايغان. وإلى جانب التعريفات والرؤى العربية والغربية التي حاولت تحديد دور المثقف كفاعل عضوي مطالب بنشر الوعي في مجتمعه، يعتمد صاحب «الآخر في الثقافي العربية» على التصنيف الذي وضعه غرامشي، مستنداً إلى شروحات إدوار سعيد لتفسير وجهة نظره.


ثمة تصنيفات أخرى يتحدث عنها الكاتب انطلاقاً من تبيان علاقة المثقف بالسلطة والمجتمع في العالم العربي، فيشير إلى التفسيرات التي قدمها مفكرون عرب اجترحوا مفاهيم جديدة، كالمثقف الثوري، والمثقف التبريري، والمثقف المتواطئ، والمثقف الاعتذاري، والرافض، والهروبي، والموالي، والانتهازي والمرتزق. يميّز صاحب «العرب النصارى» بين الفقيه والمثقف. الأول ينهض خطابه على البعد الديني، العمومي والسلطوي/ الأمري والإذعاني والغيبي والنصي. في حين أنّ خطاب المثقف (العضوي) عقلاني وبرهاني وحواري.
بعد أن يُنهي صاحب «الموت في الديانات الشرقية» مداخله التمهيدية (تعريف الثقافة والمثقف وتصنيفاته والفقيه والسلطان) يدخل في صلب موضوعه ويفصل الكلام في ثلاثية المثقف والسلطة والحاكم، عارضاً آراء بعض المفكرين العرب الذين عالجوا الثنائيات الآتية: المثقف والسلطة، المثقف والحزب، والمثقف والسياسة، المثقف والطبقة. هؤلاء ركزوا على أهمية الدور الذي يجب أن يضطلع به المثقفون، كأفراد يمارسون عملية النقد الواعي والبنّاء في إدراكاتهم للمجتمع والدولة والدين.
يؤرخ الكاتب السوري لعلاقة المثقف بالحاكم في الحضارة العربية منذ قيام الدولة المركزية زمن الأمويين، وصولاً إلى التاريخ المعاصر. يرصد أداء المثقفين ودورهم في الدولة والمجتمع تحديداً أولئك الذين أسسوا لشرعية الخلافات الإسلامية من فقهاء وأدباء وشعراء، ما أدى إلى ازدهار الآداب السلطانية من جهة، وأنتج الترابط الوظيفي بين مثقفي وفقهاء الديوان والحكم من جهة أخرى. يشير صاحب «المرأة العربية في الدين والمجتمع» إلى تنامي دور الفقهاء والأدباء والشعراء أيام السلطة العباسية، شارحاً أسباب ازدهار هذا الترابط بينهما، ومحدداً ماهيتها التي تأسست على استرضاء الحاكم وتقديم الشرعية لسلطته. لكن الأهم من عملية الاستحواذ السلطوي على العقول في الفترة التاريخية الثانية التي درسها الكاتب (حقبة الخلافة العباسية) أنها ترافقت مع نمو الفرق الدينية المعارضة كالشيعية والخوارج ومع محاولات القوميات غير العربية (الفارسية والتركية) إحياء ثقافتها ومع أداء دور سياسي في الدولة، كما فعل المعتزلة أو أهل العدل والتوحيد زمن الخليفة المأمون، وما تولد منه من محنة ابن حنبل الشهيرة.
طبعاً لم يكن الأدباء والفقهاء والشعراء في الفترة التي درسها الكاتب بدءاً من العهد الأموي وصولاً إلى نشوء الدولة الوطنية في العالم العربي، موالين في معظمهم إلى السلطة، القهرية/ والاحتكارية، هناك اتجاهات نقدية قارعت السلطان السياسي والديني وقدمت رؤى تنويرية على مدار تاريخ. ولعل الاضطهاد ومصادرة حرية الرأي الذي تعرض له النقديون/ المتنورون في تاريخنا القديم والحديث، يبرهنان على فرضية أساسية قوامها حكم الواحد للمتعدد.
يتناول الكاتب مختارات من حياة بعض المثقفين العرب في مختلف العصور أي منذ القرن الأول هجري حتى عصرنا الراهن، ويعرض الإطار العام لمواقفهم المعارضة والنقدية، بدءاً من سعيد بن المسيب (14- 84 هـ) أحد أهم المعارضين للسلطة الأموية، وصولاً إلى نصر حامد أبو زيد (1943ـــ 2010) الصادر بحقه حكم الردّة على خلفية مواقفه التنويرية ودعوته إلى ضرورة قراءة الإسلام من جديد.
يغلب على بحث حسين العودات المنهج التوثيقي والتاريخي. هناك غنىً في المصادر والمراجع التي اعتمد عليها، وقد أجرى بعض المقارنات، وخصوصاً حين عرض لمفهومي المثقف والثقافة، لكنه في المقابل لم يخرج بفرضيات أو إشكاليات جديدة خارج ما هو متداول ومعروف، ربما لأن الموضوع التي عالجه أُشبع درساً وتمحيصاً. في ظل التحولات التي تشهدها دول «الربيع العربي»، كان مهماً لو تطرّق الكاتب إلى أدوار الأنتلجنسيا العربية عبر النقد والتحليل. ومع تأكيد أهمية التفريق بين المثقف الفاعل/ العضوي والمثقف الإذعاني، إلا أنّ الواقع الراهن وسط ضجيج الانتفاضات العربية يكشف لنا عن بؤس بعض المثقفين وانفصالهم عن المجتمع ويدفعنا إلى تقديم الفرضية الأولية الآتية: الجمهور العربي الآن يصنع التاريخ، والأفكار النخبوية وحدها لا تنتج التغيير.