في هذا الزمن الرديء الذي وصلت فيه الطائفية في سوريا إلى حدّّها الأقصى، وبلغت الانقسامات ذروتها، وأصبح منظر الجثث المرمية على قارعة الطريق مشهداً مألوفاً، لم يعد هناك أحداث ترتقي إلى مرتبة المفاجآت. ومع ذلك، ما زالت بعض المهرجانات الدولية تبذل جهوداً حثيثة لاحتلال أكبر مساحة من الضوء، متخذة من الأزمة السورية مطية للتبجح بحقوق الإنسان والحريات، والادّعاء الواهي بأنّها صاحبة القضية وأنّ سيل الدماء السورية يعنيها.


بعدما اتحفنا «مهرجان القاهرة السينمائي» في نسخته الإخوانية الأولى باستبعاد فيلم «العاشق» لعبد اللطيف عبد الحميد من المشاركة في الحدث (الأخبار 27/11/2012)، أطلّ علينا «مهرجان دبي السينمائي» ليستبعد ثلاثة أفلام سورية هي: «مريم» لباسل الخطيب، و«صديقي الأخير» لجود سعيد، و«العاشق» لعبد اللطيف عبد الحميد من دون أن يترك فرصة لأحد بوضع علامة استفهام أمام الخطوة الإلغائية التي يتخذها مهرجان معني بالفن السابع، بل أتبع سلوكه ذاك ببيان جعل عذره أقبح من ذنب. وعلى طريقة المرافعات القضائية، افتتح المسؤولون عن «مهرجان دبي» تصريحهم بشعارات براقة عن «وقوف المهرجان مع الإنسانية بمعناها الأوسع والأشمل، تماماً بما يضمن الحرية والعدالة للناس جميعاً»، فيما لم يوفر البيان الفرصة للترويج لشعار المهرجان (ملتقى الثقافات والإبداعات) التي أطاحته الخطوة الإلغائية التي اتخذت بحق الأفلام السورية. وتابع البيان: «صحيح أنّ هذه الأفلام تقدّم أشكالاً متفاوتة من مقاربة الواقع السوري الراهن، يصل بعضها إلى مستوى النقد، بالتصريح أو التلميح، لما اعتمل في أحشاء المجتمع السوري، عبر عقود ماضية من الزمن، أدّت في النهاية إلى المآلات المأساوية التي نشهد فصولها في كل مدينة وبلدة وقرية سورية اليوم، إلا أنّ المهرجان لن يستطيع الفصل بين القول والفعل وبين الأداء الفني والمواقف الحياتية خاصة لدى الانتباه إلى أن بعض المخرجين من صانعي هذه الأفلام سبق أن شاركوا في التوقيع على بيان «سينمائيي الداخل السوري»». طبعاً، يبدو غريباً ما تتخذه إدارة «مهرجان دبي» من ذريعة لعقليتها الإلغائية، خصوصاً أنّ البيان المذكور وقِّع منذ السنة الماضية، ومن بين الموقّعين ممثلون صاروا اليوم في صفوف المعارضة بعد ازدياد وتيرة العنف. كيف لم تنتبه إدارة المهرجان إلى بيان وقّع منذ أكثر من عام؟ ثم ألم تكتشف سياسة التدقيق التي تتبعها أنّ المخرج الفلسطيني السوري باسل الخطيب صاحب فيلم «مريم» الذي شمله المنع، لم يكن من الموقّعين على هذا البيان؟ أليس هناك ما يثير الشكوك في شأن الخطوة بدعوة هذه الأفلام ثم منعها كأنها حالة ترويجية رخيصة من أجل خلق بروباغندا للمهرجان ومهره بختم الثورة ودعم الشعوب المضطهدة؟! أليس من واجب المهرجان وفعالياته فتح آفاق جديدة من الحرية ودعم الحوار والوقوف إلى جانب الفنانين لكونهم يمثلون بلدانهم على اختلاف انتماءاتهم وآرائهم، وليس صياغة فصول متماسكة من الإقصاء ليست سوى نسخ عن الديكتاتورية التي يدينونها؟ كل تلك الأسئلة تبقى في رسم إدارة «مهرجان دبي». أما المخرجون الذين استُبعدت أفلامهم، فهم لا يملكون الكثير من الإجابات. عبد اللطيف عبد الحميد سبق أنّ صرح لـ«الأخبار» بأنّه لم يتبلغ أي قرار واضح من إدارة المهرجانين اللذين منعاه، وبأن هناك من كان يصرّ عليه للمشاركة. وقال: «لم يسبق لي أن أسأت إلى أحد، فلماذا يحصل هذا؟»، فيما حال انقطاع الاتصالات كلياً عن المحافظات السورية أمس دون الاتصال بطاقم الأفلام الثلاثة. بالتوازي مع ذلك، علمت «الأخبار» أنّ مجموعة من الفنانين السوريين المشاركين في تلك الأفلام قد يصدرون بياناً احتجاجياً يسلمونه إلى «مهرجان دبي» يستنكرون فيه الخطوة الإلغائية بحق السينما السورية التي أخذت على عاتقها تسليط الضوء بشكل نقدي على الواقع السوري الجديد. في مقابل ذلك، جاءت الخطوة لتخلق أجواءً من الارتياح لدى بعض المخرجين والمثقفين السوريين المعارضين الذين كانوا ينوون مقاطعة المهرجان في حال حضر السوريون المصنّفون موالين للنظام، علماً بأنّ هؤلاء المخرجين والمثقفين السوريين هم أنفسهم من كانوا ينتقدون النظام على منع شريط «طوفان في بلاد البعث» للراحل عمر أميرلاي، لكنّهم اليوم يهلّلون للمنع من الضفة الأخرى وفي مكان أبعد ما يكون عن «ربيع» العرب الحقيقي. يوماً تلو آخر، تؤكد الأحداث أنّ السلوك الذي تنتهجه الكثير من الجهات الداعمة لـ«الثورة» السورية ليس سوى استنساخاً أكثر فاشيةً من قمع النظام وعقليته الاستبدادية التي عانى منها السوريون على مدار أربعة عقود.




هدية إلى الأطفال الشهداء

حالما انتشر خبر استبعاد الأفلام السورية الثلاثة، سارع المخرج الشاب جود سعيد إلى نشر البيان الذي أصدره «مهرجان دبي» ونشر الملصق الخاص بشريطه على صفحته على فايسبوك ويظهر أسماء أبطال العمل وهم: عبد اللطيف عبد الحميد، عبد المنعم عمايري، مكسيم خليل، لورا أبو أسعد، سوسن أرشيد، جمال العلي، جرجس جبارة، عايشة بن أحمد، فادي صبيح، مازن عباس، مأمون الخطيب، عوض القدرو، كرم شعراني. وذيّله بجملة: «ربما يصحّ إهداؤه لأطفال جرمانا ولكل أطفال سوريا الذين رحلوا». وسرعان ما انهالت التعليقات المتضامنة مع صاحب «مرة أخرى»، التي انتقدت الخطوة الإلغائية، فيما قال آخرون إنّ محاكم التفتيش آتية إلى سوريا.