نسوة رواية «خائنون» (لوسوي ـــ باريس، 2012) لعبد الله الطايع (1973) مغربيات يرفض العيش تحت سلطة المجتمع البطريركي. نسوة قضين العمر بحثاً عن وجه آخر للحياة، ووجدن في متعة الجسد معبراً للترحال وسبيلاً لمقابلة أناس بسطاء وآخرين مهمين. كما دﺃب في رواياته السابقة، يواصل الكاتب المغربي الحفر عميقاً في تفاصيل الحياة المغربية، ومتابعة أقدار وحيوات شخصيات تعيش على الهامش مثل سليمة «العاهرة» التي لا ترى حرجاً في ممارسة مهنتها أمام ابنها الوحيد جلال.


هذا الأخير يساعدها في إيجاد زبائن والتفاوض معهم، وخصوصاً المجندين في الجيش الذين يحكي بعضهم عن وضع المغرب العسكري. «ليس بعيداً عن حيّ السلام، كانت هناك قاعدة عسكرية كبيرة. كانت تفصلنا عنها أرض واسعة وكبيرة. لم أكن أجرؤ على تخطّيها. كانت أرضاً محتلة من طرف قطّاع الطرق والحشاشين والقتلة. كانت منطقة عشوائية بالقرب من أكبر قاعدة عسكرية في المغرب. استغربت الأمر وسألت جندياً. اكتفى بالإجابة: هذا هو المغرب!» يقول جلال. من الثمانينيات إلى التسعينيات، تتنقّل أحداث الرواية، ومن مدينة سلا المغربية إلى بروكسيل، مروراً بالقاهرة والدار البيضاء، ترتسم ملامح الترحال في حياة جلال ووالدته. من خلال هاتين الشخصيتين، يعرض الروائي بورتريه لمغرب متعدد، عرقياً وثقافياً وسياسياً. وتبرز الصحراء الغربية كقضية مهمة يشير إليها الروائي: «كنّا في منتصف الثمانينيات. صار المغرب فجأة بحاجة إلى عدد أكبر من الجنود تم تدريبهم في سلا، القنيطرة ومكناس. وأُرسلوا إلى الجنوب، إلى الصحراء. للدفاع عن صحراء صارت فجأةً تراباً وطنياً. قضية مقدسة. تابو. لغزاً». قلة من الروائيين المغاربة أو الجزائريين تعرضوا لمسألة الصحراء الغربية التي تبقى محل تجاﻧبات سياسية بين الجزائر والمغرب. لكن عبد الله الطايع طرحها مباشرة، ووصفها بكلمات لا تروق القاموس السياسي في المملكة، باعتبار قضية الصحراء موضوعاً «مقدساً» منذ حقبة الحسن الثاني. بأسلوب شعري، وجمل قصيرة، وإيقاع موسيقي، وجمع بين مخيالين مغاربي ومشرقي، يتوغل الطايع في حميميات حياة «نساء المتعة» كما يسمَّين في المغرب، ويساير نزوات جلال الذي يكتشف صغيراً مارلين مونرو في التلفزيون، ويحلم بالهروب من كبت العيش في مسقط رأسه سلا. في الرواية نفسها، تتعدّد الأصوات، وتتشابك الحكايات، ويبدو المغرب بلداً مفتوحاً على جميع التوجهات. هناك، يزور الناس أضرحة الأولياء الصالحين، ويكبرون شخصية الكاهنة التي قاومت الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، ويحلمون بالهروب والهجرة إلى أوروبا. تخاطب سليمة ابنها جلال: «ندمت على ولادتك. صدقني ندمت كثيراً. الآن ستعيش وحيداً وتتوه وحيداً. وداعاً يا روحي، يا صديقي، يا أخي الصغير. اذهب، اذهب بعيداً من هنا، اهرب، اهرب منهم. سنلتقي يوماً ما». حياة الترحال التي عاشها جلال ستجعله شاهداً على 20 سنة من البحث عن الذات والخوف من العودة إلى قفص الحياة الصعبة في مغرب التسعينيات.