على غرار كتابَيه «عين السراب» (2000)، و«رسالة إلى الأختين» (2004)، يكتب عيسى مخلوف في كتابه الجديد «مدينة في السماء» (دار التنوير) ذلك السرد غير المنتمي إلى جنس كتابي محدد، حيث الكتابة مدينةٌ للتأملات الممزوجة بأفكار متحصلة من القراءة والسفر والمراوحة داخل العزلة الشخصية أيضاً. هناك نَفَسٌ حكائي في الكتاب، لكنه مقتضب ومحمول على طبقاتٍ من التأنّي والبطء في مشاهدة العالم والحياة اليومية. يتخفف الشاعر اللبناني المقيم في باريس من صمت الشعر وتقنيات الحذف والاقتصاد، ويترك اللغة تأخذ راحتها في الوصف، لكن ذلك كله لا يُنجي الكتاب من جرعاتٍ شعرية تتسرب بوضوح إلى مقاطع عديدة، أو تظل تتحرك تحت سطح السرد. الشعر _ في النهاية _ هو المؤلف السري/ العلني للكتاب الجديد، لكن الوقائع والتواريخ الحقيقية التي ترد في الكثير من صفحاته، تقلل من شعريته التجريدية لصالح كتابة سردية دقيقة وملموسة، وهي منجزة وفق وجهة نظر شعرية.


حكاية الكتاب، بحسب تقديم المؤلف، تبدأ من مقر منظمة الأمم المتحدة، حيث عمل بين عامي 2006 و2007 مستشاراً خاصاً للشؤون الثقافية والاجتماعية. داخل المبنى الشهير، وفي جواره النيويوركي، ارتسمت معالم الكتاب الذي تحضر فيه ذكرياتٌ ومشهدياتٌ من باريس وفلورنسا وبيروت والقاهرة.
بإطلالة تذكّرنا بمناخات قصيدة لوركا «شاعر في نيويورك» وقصيدة أدونيس «قبر من أجل نيويورك»، يطلّ صاحب «عزلة الذهب» على المدينة. منذ السطور الأولى، نقرأ: «أفتح عينيّ على دماء المدينة وحجارتها، على مصانع وشحم محركاتها، وعلى نظرة الإنسان الذي أنهكه السعي وراء المال. أنظر إلى ماضيها وأهلها وإلى السفن المترنحة فوق مياه الأطلسي، المحمّلة بالعبيد والأوجاع». بعد ذلك، يتجزأ الانطباع الأول المصنوع من التصور المسبق للمدينة إلى شذرات ومقاطع تصف المدينة من الداخل. ستظل الأمكنة الشهيرة موجودة في سياق هذه المقاطع، لكنها ستكتسب مذاقاً شخصياً في جولات الشاعر الذي لا يتوقف عن ربط ما يراه بالتاريخ والذاكرة، حيث عبارةٌ مثل «العبيد هم من بنوا أميركا»، تفتح المجال للقول: «قد نجد في الفن بعض العزاء. لكن، ماذا لو كانت كل تحفة فنية تتكئ على جريمة وعلى آلام عظيمة؟ كأن ليكون الجمال ينبغي أن تُراق دماء كثيرة». أما تمثال الحرية، فلا يعرف «هل اليد التي تحمل الشعلة تحيّي الوافدين إلى القارة الجديدة، أم تستغيث؟ أم أنها المنارة تقتفي أثر الدماء الجارية من قارة إلى قارة».
يداوم الشاعر في مبنى الأمم المتحدة الذي يكثر فيه استعمال كلمة «السلام»، لكنه «مقياس الزلازل والمجاعات والحروب، بحسب ما تقتضيه مصالح الدول العظمى». في الذهاب والعودة، لا بد أن يتحدث عن منحوتة هنري مور المنتصبة في الباحة الأمامية للمبنى المزجّج. الفن يعيد الشاعر من السياسة إلى ملعبه المفضل. هكذا، تصبح الوظيفة الرسمية مفتاحاً لمعرفة جوف المدينة. التردد على المكتبات والحدائق والمتاحف يصنع علاقة من نوع آخر ببابل العصر الحديث. لعل الرؤيا القيامية الملتصقة بصورة المدينة هي التي تُوقف السرد النيويوركي قليلاً، وتربطه بـ«الكوميديا الإلهية»، ومدينة فلورنسا «الموضع الذي تحرك فيه ذات يوم جسد دانتي». الحديث عن دانتي يستدعي حبيبته بياتريس وموتها، بينما الحب يهدّئ السرد، ويصنع فاصلاً لغوياً مع المشهديات الأميركية الطاحنة، ويسمح بمساحة أكبر للتأمل، حيث البشر يأتون مسرعين ويمضون مسرعين، «لكن من قال إن هذا العبور السريع لا ينطوي على شيء من الأبدية؟». يعود السرد إلى نيويورك مجدداً: «الحرب والسلم ومشتقاتهما، كلماتٌ تتناسل في أروقة الأمم المتحدة». كلماتٌ تعيد المؤلف إلى اللحظة التي غادر فيها لبنان بعد اندلاع الحرب الأهلية فيه. بعد ذلك، تتوالى مقاطع تأملية تختلط فيها صور الأمكنة مع المزاج التأملي للشاعر المتنزّه بين «سنترال بارك» و«لينكولن سنتر»، ومتحفَي الـ«ميتروبوليتان» و«غوغنهايم»، بينما تستعاد مشاهد قديمة من جامع «ابن طولون» في القاهرة. التأمل يُحضر امرأةً محتَضرة ومبهمة الملامح إلى السرد المتقطع. لا يعرف القارئ إن كانت حبيبةً أو أمّاً أو الاثنين معاً: «كانت، حين تشتاق، تحرّك رأسها يمنةً ويسرة، كأنها تمرّغه في هواء معطر، وتقبّل ما يمكن أن تبلغه من كتفيها الاثنين». هذه الصورة الأخّاذة، إلى جانب صور مماثلة، نجدها مدسوسة بين عوالم مسرعة ومتغيرة باستمرار في الإقامة النيويوركية التي تُعيد صاحب «نجمة أمام الموت أبطأت» إلى المادة الأساسية للكتاب، حيث «أنّات العالم تسافر من جميع القارات، وتأتي لتستريح عند ضفة الهدسن في مبنى الأمم المتحدة»، لكن الأنين لا يُسمع داخل المبنى لأن «ممثلي الدول الأكثر فقراً في العالم يشبهون في مظهرهم الخارجي ممثلي الدول الأكثر ثراءً وتجبّراً». في تردده على مكتبة «بوردرز» قرب الـ«غراوند زيرو»، حيث سقط برجا مركز التجارة العالمي، يخبرنا المؤلف أن الأميركيين سبق لهم أن أطلقوا الاسم نفسه على الموضع الياباني الذي أسقطوا فيه القنبلة النووية في نهاية الحرب العالمية الثانية. المكتبات تفتح باباً للكتابة عن الكتب والكلمات، بينما المتاحف فرصة للحديث عن لوحات ومنحوتات. بين «هارلم» وموسيقى الجاز، يمتدح بيللي هاليداي، ويخلط مزاجه المتأنّي مع نبرتها المتباطئة: «في صيف باريس، أستمع إلى أغنية «الخريف في نيويورك»، وفي خريف نيويورك، أستمع إلى «أبريل في باريس». التأملات تظل لصيقة باللغة وهي تصف الأشياء والوقائع. أحياناً تنشغل التأملات بالكلمات التي تكتب هذه التأملات. الكتاب نفسه يصبح موضوعاً لجملة يكتبها المؤلف: «تنتهي القراءة أحياناً عند عبارة واحدة تسرق الكتاب بأكمله. وحين نتابع القراءة فذلك بحثاً عن أثرها».
مع الصفحات الأخيرة، تقترب الإقامة الأميركية من نهايتها، وتبدأ التدوينات أيضاً بالاستعداد للعودة إلى باريس. يواصل عيسى مخلوف خلط التأمل بالشعر، والذاكرة بالحاضر، بينما يحس القارئ بأن صفة «اليوميات» تتعزز، وتصبح لائقة أكثر بمحتويات الكتاب، وتصنع مسافة بينه وبين لغة الشاعر في دواوينه السابقة، وفي كتابيه النثريين اللذين أشرنا إليهما في البداية.
«مدينة في السماء» هو يوميات، لكنها أثقل من المذاق العابر والتوثيقي لليوميات التقليدية، حيث الممارسة الشعرية تجعل لغة الكتاب عائمة على ثقافة شخصية، وخلاصات أدبية وفلسفية عديدة.




ضمن فعاليات «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، يوقّع تجمّع «باحثات» كتابه السنوي «التهميش في المجتمعات العربية كبحاً وإطلاقاً» في جناح «دار جداول» بدءاً من السادسة من مساء اليوم.