في نصوصه السرديّة، يبدو أحمد محسن (1984) لاعباً بمهارات عدّة. أحداث ومقاربات ذكيّة، تتقاطع في «صانع الألعاب» (دار نوفل) ضمن فترات زمنية مختلفة، لن نكتشف الرابط بينها إلا في نهاية الكتاب. ينجح الزميل الشاب في ابتكار فضاء خاص يجمع الأحداث والشخصيات المتباعدة في الظاهر. بصيغة المتكلم، يخلص الراوي الذي يعيش في ضاحية بيروت الجنوبية إلى أنّ الحياة بأكملها ملعب كرة قدم، لكن بعقبات كثيرة، ومباريات خاسرة بمعظمها. هكذا تمتد خيوط الكرة إلى العلاقات والموت والسياسة، فيقارن مثلاً بين اللاعب البرازيلي رونالدينهيو والسيد حسن نصر الله. لدى الاثنين جمهور كبير في الضاحية، وكلاهما يصيب الهدف! لكنّ الأمين العام لـ«حزب الله» لاعب بلا رقم. إذاً، اللاعبون لا يقلّون أهميّة عن الشعراء، والسياسيين. هم نجوم ــ بطريقتهم الخاصة ــ ذوو قاعدة شعبية كبيرة. بل إنّ مأساتهم تشبه أحياناً مأساة الكتّاب الخالدين على رفوف المكتبات. لكن استفاضة محسن في ذكر أسماء اللاعبين والسياسيين والأدباء، تشتّت القارئ، ولا تخدم سياق النص أحياناً. كم يشبه ملعب «نجمة الصحراء» الذي كان ملعب طفولة الراوي، ملعب القتال في الشويفات. وكم يشبه أبو صالح اللاعب البارع والعازف على القنابل اليدوية «الديكتاتور» فيليب لام.


السرد السريع والممتع للأحداث الواقعية، تغنيه وتعمّقه تحليلات محسن اللامعة التي تمزج بين العبثية والتأمّل. يضعنا محسن وسط لعبة كبيرة، يقلّب فيها المقاييس المتعارف عليها. لكنّ اللعبة تنقلب أحياناً على اللاعب. ماذا لو لم نختر ألعابنا؟ ماذا لو وجدنا أنفسنا لاعبين مهرة في ألعاب لم نخترها نحن، بل كنّا ضحيتها؟ في فصل «التنينة»، تجد ميرا نفسها ضحيّة رغبات خالتها الجامحة، تجرّها إلى علاقة جنسية معها، لتصبح في ما بعد لاعبة جيدة في تصيّد الفتيات الصغيرات... وهنا يُحسب لمحسن عدم وقوعه في فخّ توظيف الجنس لغايات الاثارة. فالمشاهد الجنسية في العمل خدمت سياق النصّ، بل جمّلته.
إذاً، تسيطر بيئة الضاحية الجنوبية لبيروت على مناخات النصوص، وتشكّل محرّكاً أساسياً للكثير من الأحداث، منها محاولات الراوي للخروج من الجماعة نحو فرديته، مستعيناً بتحليل الفرنسي غوستاف لو بون لظاهرة الجماهير. وفي «لعب في الوقت الضائع»، يشرح الكاتب عن السوشي، ويضعه ضمن رؤيته لليابان، وتأثره بأحداث هيروشيما وناغازاكي، ليرى أنّ هذا النوع من الأكل النيء أخطر من الاحتباس الحراري والأزمة الاقتصاديّة، والإمبرياليّة.
اللغة أدبية وممتعة في غياب التكلّف اللغوي، لكن الاسهاب في الشرح أحياناً لأفكار مسلّم بها يخدش هذه المتعة، ما قد يحول دون تورّط القارئ كلياً في النصوص. لا يفتعل محسن عامل الصدمة، بل يروي الأحداث بوتيرة سريعة وواحدة، مظهراً في نهاية تجربته الأولى، قدرته المدهشة على ربط العلاقة بين الشخصيّات. تتقارب هذه النصوص في النهاية من العمل الروائي، لكنّها لا تندرج تحته. ليس ضرورياً أن تكون تجارب الراوي في الكتاب وآراؤه هي نفسها تجارب الكاتب الشخصية. ينحاز الراوي إلى الكرة على السياسة، لكنّه لا يتبنى موقفاً سياسياً محدداً. يستخدم السياسيين (بسخرية) في هذا العمل الذي ينزع عنهم هالة القداسة التي أحاطتهم بها الجماهير.




توقيع «صانع الألعاب»: 7:00 مساء اليوم ــ جناح «دار هاشيت أنطوان» ــ «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»