«حرير وحديد ـــ من جبل لبنان إلى قناة السويس» (دار الريّس) كتاب وقّعه فواز طرابلسي ضمن فعاليات «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب». العمل عبارة عن حوليات حيث يدوّن الكاتب اللبناني أحداثها المؤرّخة خلال القرن التاسع عشر التي تعبر مساحتها من شرقي البحر المتوسط إلى غربه. أمّا شخصياتها، فأفراد وجماعات، وبلدان وأقوام، مستعمِرون ومستعمَرون، مقاتلون وأدباء ومفكّرون، فلاحون وبرجوازيون، هراطقة ورجال دين... في مقابلة مع موقع «جدلية» (25/11/2012)، وصف المؤلّف عمله بأنّه «نتاج الفائض من الشغل على كتابه «تاريخ لبنان الحديث»». وأوضح: «قادتني أبحاثي إلى اكتشاف ثلاثة أمور: الأول تميّز القرن التاسع عشر بحركة انتقال واتصال وتبادل واسعة بين بلدان المتوسط (...) واكتشاف علاقات بين شخصيات وأحداث خلال تلك الفترة لم تكن معروفة.


والثالث كان الكتاب مناسبة لتدوين ما فاتني في «تاريخ لبنان الحديث» من وقائع ومعلومات وتأويلات جديدة عن الحركات الاجتماعية والنزاعات الأهلية (1840 ــ 1860) في جبل لبنان، خصوصاً الدور الذي احتلته تلك البقعة الصغيرة من السلطنة العثمانية في السياسات والنزاعات الكولونيالية على المنطقة».
«يبدأ التدوين مع بدايات موسم الحرير في جبل لبنان، وينتهي مع افتتاح قناة السويس (1869)». ولعلّ كلمة «حرير» في عنوان الكتاب من هذا المعنى، كما ترمز إلى النعومة والرخاء في إشارة إلى حياة البرجوازيين وهم كُثُر في التاريخ، بعكس الحديد الذي يرمز إلى الشدّة والحروب والفقر، فـ«ناس عالحرير وناس عالحديد».
تقوم منهجيةُ الكتاب على تدوين الأحداث التي وقعت، كلٌّ في تاريخه بالشهر والسنة، وتنتقل بين فرنسا وإنكلترا والجزائر ومالطا ومصر وسوريا ولبنان...
بعد الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان «نبوءات»، يبدأ التدوين. في كل فصل، شيء عن الحرير (دودة القز، الشرنقة، مصانع الحرير في لبنان وليون، خيوط الحرير...). بعدها، ينتقل إلى الأحداث وأبطالها: العاميات والثورات، الحروب والمجاعات، الانتصارات والانكسارات وأبطالها من الملوك والأمراء، بونابرت وتشارلز إلى الثوار طانيوس شاهين وعبد القادر الجزائري ولويز برونيت (من أشهر العاملات الفرنسيات المناضلات في سبيل حقوق العمال)، إلى الهراطقة ثم الأدباء والشعراء والسمعانيين ــ الصبيانيين وأعمالهم وأقوالهم.
وفي الفصل الأخير بعنوان «خواتم»، يختصر المؤلف «نهاية كل من أبطالها»: متى وكيف وأين.
يصعب تصنيف كتاب «حرير وحديد». رغم غلبة الطابع التأريخي على فصوله، يجد قارئه الكثير من السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب. يفسّر ذلك انتماء المؤلّف إلى الفكر اليساري وتبنّيه قضايا العمال والفلاحين وتعليل التاريخ وأحداثه بناءً على العلاقة بين العمال وأرباب العمل. علماً أنّ طرابلسي نفسه أشار إلى أنّه يمكن اعتبار الكتاب «مدوّنات لـ «بلوغر» من ذلك الزمن».
تنعكس يسارية الكاتب أيضاً في كتاباته العلمانية وتركيزه على دور رجال الدين السلبي عبر التاريخ والأمثلة كثيرة في هذا العمل أيضاً. ذلك اليساري في دفاعه عن العلمانية والفقراء، هو أيضاً ذلك المثقف المولع بالشعر والأدب. والشاهد الأبرز في هذا الكتاب كميّة الأقوال والأشعار بحيث لا يغادر فصلاً من فصوله دون الكلام عن أحمد فارس الشدياق مثلاً. أكثر من ذلك، يبدو واضحاً شغفه بالأدب و«تصرّفه»، ولو قليلاً في ثلاثة نصوص أشار إليها في بداية الكتاب: «لعب التخييل دوره في ثلاثة تأليفات فقط هي حلم الصبياني المعدني ورسالة لويز برونيت إلى شقيقتها والحوار بين زوجة شعيا علمان وطانيوس شاهين».
تبرز نسبة المخزون العالي من ثقافة الأدب العربي لدى المؤلف في كثرة الصور والتعابير البلاغية من تشابيه واستعارات، ولكثرتها بين الصفحات والسطور نورد فقط مثلين: الأول حين عاد السمعانيون من مصر خائبين (صفحة 103): «عاد السمعانيون من مصر وهم لا شقّاً فتحوا ولا فتحةً سدّوا. ولم يتوفّقوا بغير شقوق نسائهم وعشيقاتهم في «أخوية الأمّ» وشقوق بعض الجواري والعوالِم والنساء المصريات من مسلمات وقبطيات. لكنّ عين الصبياني ظلّت عالقة بالشقّ». والمثل الثاني في «منام السيّد» (انظر صفحة 93 _ 94). وفيهما ما يضع القارئ في أجواء «ألف ليلة وليلة».
تبقى الإشارة إلى تظهير دور المرأة مناضلةً وأديبةً وحبيبة، فاعلاً في صياغة الأحداث والتأثير بمجريات الأمور في الخلاصة، إنّ كتاب «حرير وحديد» فيه الكثير من المنهجية والأمانة العلمية. إنّه قراءة عصرية متعدّدة الجوانب للتاريخ يتلوها علينا فواز طرابلسي.