القاهرة | لا يستطيع الموسيقيّون المستقلّون في مصر التفرّغ لمواجهة التشدد الإسلامي. عليهم أيضاً التصدّي للصعوبات المالية، لكنّهم لا يستطيعون الموازنة بين الأمرين، لأنّ عليهم أيضاً مواجهة نقابة الموسيقيين! حالما خفتت أصداء هجوم متشددين إسلاميين على حفل أقيم في مدينة المنيا في صعيد مصر (الأخبار 1/11/2012)، وإيقافه تحت أعين الأمن، بدأ موسيقيون آخرون بالتذمّر علانيةً من تصرفات نقابة الموسيقيين إزاءهم، متهمين إياها بابتزازهم بحجّة أنّهم غير مسجّلين فيها.


بينما لا يزال مهرجان «الفن ميدان» يعاني صعوبات مالية، تقلّل التبرعات من وطأتها، فضلاً عن مضايقات أمنية من حين إلى آخر. لقد شارك الفنانون المستقلون بقوة في الثورة المصرية، وصدح ميدان التحرير بأغنياتهم، لكن يبدو أنّهم في صراعهم الثلاثي ضد النقابة والإسلاميين والفقر هم الأشد تعبيراً عن تعثر الثورة، أو على الأقل لحظاتها الصعبة.
من المفارقات أنّ الحفل الذي أوقفه الإسلاميون في المنيا كان يحمل عنوان «ضوء في العتمة»، بمشاركة عشرات الفنانين من المسلمين والمسيحيين، تحت رعاية رسمية من المحافظ «لدعم الوحدة الوطنية». لكن حالما بدأ الحفل، داهمته «العتمة» ممثلةً في مجموعات من الإسلاميين تنتمي إلى «الجماعة الإسلامية» و«الدعوة السلفية». حاصرت هذه المجموعات المسرح لتهتف «إسلامية، إسلامية»، معترضة على ما وصفته بـ«نشاط تبشيري» يتمثّل في ترديد الموسيقيين بعض الترانيم القبطية. وبعد مواجهات محدودة بين المهاجمين وشبان ينتمون إلى تيارات مدنية، منها «حزب الدستور» و«حركة 6 أبريل»، أوقف الحفل وأشرف الأمن على خروج الجمهور والموسيقيين من باب الطوارئ، فيما قال أحد الإسلاميين الذين هاجموا الحفل في اتصال مع وكالة «رويترز»: «ببساطة، إذاعة الأغاني المسيحية والكنسية في حفل عام غير مقبولة» لأنّ «مصر إسلامية. لذلك علينا جميعاً أن نقبل القيم الإسلامية منعاً لحدوث أي نزاع»!
لم يغيّر الأمر سيل الإدانات الذي اندلع من قوى وأحزاب مدنية ومنظمات حقوقية إزاء ما جرى في المنيا، إذ تعاني جامعات الصعيد من ضغوط طلابية إسلامية لمنع مجرد الاختلاط بين الطلبة والطالبات، ما يرسم صورة عن مستقبل ـــ أو لا مستقبل ـــ الحفلات الفنية هناك، وخصوصاً أنّ العاصمة نفسها كادت تتلقى ضربة من هذا النوع قبل شهرين، عندما تقدم أحد محامي الإخوان المسلمين ببلاغ قضائي ضد حفلة لإحدي فرق الـ«هيفي ميتال»، متهماً إياها بالترويج لممارسات «عبادة الشيطان». لكن ذلك الاتهام القديم الجديد لم يكن فقط ما يشغل مركز «ساقية الصاوي» (الأخبار 5/9/2012) التي استضافت الحفل. المركز الفني الثقافي الذي يحتضن العديد من الحفلات، يواجه «غارات» متزايدة من نقابة الموسيقيين (المهن الموسيقية) التي لم يُسمع صوتها في مواجهة المتشددين، لكنّها الآن «تتهم» فرق الهواة بممارسة «المهنة» من دون ترخيص أو عضوية في النقابة، وتحصّل منهم غرامات مالية بديلاً من الإيقاف التام للحفلات. تشهد «الساقية» تلك الإغارات كغيرها من المراكز الثقافية، لكنّ الموسيقيين بالطبع هم من يتحمّلون الغرامات.
على صفحتها على فايسبوك، كتبت المطربة الشابة فيروز كراوية: «نقابة الموسيقيين، الصرح الضخم للسبوبات، تدخل الحفلات وتلغيها بدعوى أنّ العازفين ليس لديهم كارنيهات (عضوية) ( ..) رغم أن الانضمام إلى النقابات هو عمل اختياري، هدفه أساساً رغبة صاحب المهنة في كيان يدعمه ويحمي حقوقه ويضمن معاشه عند التقاعد». وأعربت كراوية عن خشيتها من أن يكون «هذا الهجوم الشرس على حفلات الفنانين المستقلين ضربة مزدوجة ذات أغراض مادية، وكذلك رغبة فى تحجيم تيار فنّي حر» .
لا يبدو حتى الآن أنّ النقابة ستوقف غاراتها الابتزازية، بل يؤكد وكيلها مصطفى كامل في تصريحات لصحيفة «التحرير» أنّ النقابة «تتساهل مع الحفلات كونها تكتفي بتحصيل الغرامات بدلاً من إلغائها»، مضيفاً إنّ النقابة سوف «تتصدى لحفلات مكتبة الإسكندرية» في الفترة المقبلة!
في ظل تلك الظروف، لا يزال مهرجان «الفن ميدان» يقدم عروضه مجاناً في وسط القاهرة في الأسبوع الأول من كل شهر، وهو يمثل بحدّ ذاته معنى التصدي للمشكلتين السابقتين معاً، فأبطاله هم فرق الهواة، وهو يقام مكشوفاً في الشارع، على بعد خطوات من المقر الجمهوري «قصر عابدين». في مدخل الحفل، يستقر كل مرة صندوق معدني يستقبل التبرعات، ولا تزال الإمكانات الذاتية قادرة على تأمين الحفل شهرياً في القاهرة، لكنّ عروض المحافظات الأخرى توقفت، ولا يزال المنظمون يأملون ألا يتوقف المهرجان نهائياً في ظل حكم يجمع التشدّدين: الأمني والديني.




دعماً لأهداف «25 يناير»

«الفن ميدان» مهرجان فنّي وثقافي شهري مصري تنظّمه «المؤسسة الوطنية للتنمية المدنية» (سوا) بالتعاون مع ائتلاف «الثقافة المستقلة». انطلقت فعالياته في نيسان (أبريل) عام 2011 سعياً لدعم أهداف «ثورة 25 يناير»، وهي تقام في السبت الأوّل من كل شهر في ميادين مختلف المحافظات المصرية. يضم المهرجان أشكالاً متنوّعة من الفنون مثل الموسيقى والمسرح والشعر والغناء. واجه المهرجان، الذي يعدّ «المكسب الأكبر» للفن بعد الثورة، أزمات مادية دفعت منظميه إلى قبول التبرعات، قبل أن تقتصر أمسياته وفعالياته على القاهرة
عصراً للنفقات.