منذ أسابيع، قدّم وائل قديح عمله الجديد «وداعاً شلوندورف» في باريس، على أن يكون موعده مع اللبنانيين في كانون الثاني (يناير) المقبل. لكن ماذا عن «وداعاً شلوندورف»؟ إنّه عرض بصري سماعي، تمتزج فيه رسائل صوتية حميمة مسجّلة على أشرطة مع مشاهد قصيرة من فيلم الألماني فولكر شلوندورف Die Fälschung (التزوير ــ 1981). يحكينا الموسيقي الشاب عن قصة عمله الجديد. قبل سنتين، كان قديح (1979) في زيارة لبيروت. شريط وضع يده عليه مصادفة في سيارة والدته أعاده سنوات الى الخلف. في هذا الشريط، سمع صوت جدّته المتوفاة منذ 17 عاماً. بعد انقضاء لحظات الصدمة الأولى، عادت الذكريات الى ذهنه وأيقن أنّه من مخلفات الأشرطة التي كانت عائلته تتبادلها مع جدته خلال الحرب الأهلية عندما بقيت الأخيرة في لبنان وهجّت العائلة إلى باريس. خلال الحرب، تعوّد اللبنانيون على تسجيل رسائل على أشرطة لأحبائهم في الخارج، في غياب البريد ووسائل الاتصال الأخرى.


في حديث الى «الأخبار»، يشرح قديح لنا فكرة هذا المزيج والعلاقة بين الأشرطة وعمله الجديد «وداعاً شلوندورف»: «اكتشفت أنّ الكثير من اللبنانيين كانوا يفعلون هذا الأمر، مع أنّ عدداً كبيراً ممن أعرفهم لم يقبلوا إعطائي الأشرطة لأنّها شخصية أو لأنها تعيدهم الى زمن لا يريدون تذكره. في النهاية، نجحت في العثور على 10 أشرطة من هنا وهناك. خلال الإصغاء إليها، أدركت أنّها ليست كلّها عن الموت والحرب. هي تتطرق أيضاً الى الحياة اليومية. كما شعرت بالأمل الذي كان أصحاب تلك الأشرطة يتمتعون به رغم القصف. في الوقت عينه، اكتشفت فيلم «المزّور». لم يهمّني بحد ذاته، بل الفكرة المحيطة بإنجازه. إذ نجح المخرج في إقناع الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية في تحييد منطقة وسط بيروت طيلة فترة تصوير الفيلم هناك. أحببت أن أمزج بين الأشرطة الصوتية التي تمثل واقع الحرب، والفيلم الذي ينتمي الى الخيال. المضحك أنّ رجال الميليشيات كانوا يؤدون أدوارهم في الفيلم، ثم يحاربون خارج وسط المدينة!».
يمتدّ العرض على 50 دقيقة، متضمناً 5 رسالات أو فصول. في ما يتعلق بالعنوان، يشير صاحب العمل الى الحرب التي عادت الى وسط المدينة وشملت المناطق بعدما غادر شلوندورف المكان. يقول: «هو عرض عن الهجرة. فالناس كانوا بعيدين عن أهاليهم ويخبرونهم عن أنفسهم». في الواقع، يعتبر قديح أنّنا كلبنانيين «نشكل مزيجاً غريباً. خليط لغات وثقافات. وكوكتيل «شِقَف»». عندما بدأ الفنان يكتشف لبنان في الـ 15 من العمر، لم يكن يعرف شيئاً عن سياسة هذا البلد وهيمنة الطائفية على مواطنيه. كان الراب رائجاً في أوروبا في تلك الفترة، فشعر بالحاجة الى التعبير، مازجاً نصوصاً شعرية كتبها مع الموسيقى، فأدخل آلة العود الى مؤلفاته أيضاً، رغبة منه في إعطائها روحاً جديدة وعصرية.
وائل قديح المعروف أيضاً بريِّس بيك أسس فرقة «عكس السير» عام 1997 وبات من الأسماء المعروفة في مجال الراب والهيب هوب باللغة العربية. لكنّه يشعر بأن هذا العرض مختلف عما سبقه، لأنّ «موسيقى الهيب هوب تجعل الناس يقفون ويرقصون، في حين أنّ الجمهور يبقى جالساً ومصغياً في هذا العرض». أما على صعيد الأسلوب، فيشير إلى أنّه في «وداعاً شلوندورف» لم يكن هناك من حدود. «لا إيقاع محدداً ولا قواعد». يبدو قديح مقتنعاً بالنهج الذي يسلكه في أعماله التي يعتبرها «فشّة خلق» له وللجمهور. «مللنا الاستماع الى مواضيع الحب والعسل والشوكولا والسكر... وحالتنا بالويل!»