دبي | اختُتمت أمس الدورة التاسعة من «مهرجان دبي السينمائي» بتوزيع جوائز «المهر العربي» و«المهر الآسيوي الافريقي»، متوّجةً شريط «وجدة» للسعودية هيفاء المنصور كأفضل فيلم روائي عربي ضمن قسم «المهر العربي الروائي». بعدما كانت المنصور (1974) قد عرضت فيلمها ضمن «مهرجان البندقية»، حطّت أخيراً في دبي حيث قدّمت «وجدة» أول عمل من إخراج امرأة سعودية يصوّر داخل المملكة.


موضوع الشريط هو بالطبع ما حتّم ضمّه الى لائحة أفلام عالمية أخرى في «البندقية» أكثر من قيمته السينمائية، فإذا به يفوز بجائزة «المهر العربي الروائي» في «دبي»، إضافة إلى منح جائزة أفضل ممثلة للطفلة وعد محمد. وتمنت منصور أن تكون هذه التجربة الاولى بادرة تشجيعية الى المزيد من الانفتاح في مجال تصوير الافلام في السعودية، خصوصاً أنّ الموضوع يتطرق الى وضع المرأة في المملكة، عبر قصة طفلة بريئة (وعد محمد) تحلم باقتناء دراجة. لكن همّ منصور لم يكن إثارة الجدل، بل إلقاء نظرة مختلفة على مجتمع السعودية المحافظ. أما لبنان، فلم ينتزع سوى جوائز ثانوية كفوز غسان كيروز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في قسم «المهر العربي القصير» عن شريطه «خلفي شجر الزيتون». فيما مرّت اسماء زياد الدويري، وفؤاد عليوان، واليان الراهب من دون جوائز. قبل أسبوعين، فاز زياد الدويري بالجائزة الكبرى في «مهرجان مراكش» عن فيلمه «الصدمة» The Attack. هذا العمل أثار الجدل لسببين أولهما أنّ بعض مشاهده صوِّرت في فلسطين المحتلة («اسرائيل»)، والثاني أنّه ارتكز على رواية ياسمينة خضرا بالعنوان نفسه مع بعض التعديلات. في الأصل، قدّم الروائي الجزائري رواية تسووية في نظرتها إلى الصراع العربي الاسرائيلي، مقدّماً عملاً مستلباًَ يرضي الغرب من خلال مساواة الضحية الفلسطينية بالجلاد الاسرائيلي. في «الصدمة»، نتابع قصة جرّاح من فلسطينيي الداخل (حامل الجواز الاسرائيلي) يدعى أمين جعفري (علي سليمان) يحظى باحترام المجتمع الطبي الاسرائيلي ويندمج في هذا المحيط، فإذا بحياته تنقلب عندما يكتشف أنّ زوجته المسيحية الليبرالية نفذّت عملية استشهادية في أحد مقاهي تل أبيب، وتكون أغلب الإصابات من الأطفال. في الأصل، كان يُفترض أن تنتج شركة «يونيفيرسال» الشريط، الا أنّها تراجعت لأنّها اعتبرت أنّ «العمل يبرّر الأعمال الارهابية ويناصر القضية الفلسطينية». غير أنّ صاحب «بيروت الغربية» لا يبحث في فيلمه عن أي بروباغندا او إنجاز فيلم «كليشيه» عن القضية الفلسطينية، بل يميل الى التعمق سيكولوجياً في شخصية «الانتحارية» وشعور الظلم الذي أدى بها الى ذلك. نشاهد ذلك عندما يقول القس الذي يقابله أمين في نهاية رحلته إلى نابلس: «لسنا إسلاميين، ولسنا مسيحيين متعصبين، نحن أصحاب قضية». تنفيذ تقني وفني جيّد قدّمه الدويري في عمله، ولو أنّ الشريط جاء بخطاب ملتبس يساوي ـ كما الرواية ـ بين الجلاد والضحية. مخرج لبناني آخر هو فؤاد عليوان قدّم فيلمه الروائي الأول «عصفوري» ضمن المهرجان. الشريط شخصي، اقتبسه من قصة بناية جدّه المهددة بالهدم من أجل تشييد مركز تجاري مكانها. ينتقل بين صور من الماضي والحاضر، وأحداث تجري عشية الحرب الأهلية عام 1975 حتى عام 1995 من خلال قصة كريم الذي عاش الحرب في طفولته ومراهقته. تيمة الحرب الاهلية ما زال تسكن السينمائيين اللبنانيين، إذ عرضت إليان الراهب في وثائقي «ليال بلا نوم» حقبة دامية، واضعة في المواجهة أسعد شفتري، المسؤول السابق في استخبارات حزب «القوات اللبنانية» ومريم سعيدي التي اختفى ابنها عام 1982 عندما كان يحارب مع «الحزب الشيوعي اللبناني». تضع الراهب الجلاد والضحية مراراً وجهاً لوجه. هل للتسامح مكان حتى بعد مرور هذه السنوات؟ فيلم متميز في فئته حمل الكثير من الجرأة والشفافية في معالجة موضوع حساس رغم أنّه لم يفز بأي جائزة. وفي مقابل خروج لبنان يخفي حنين من الدورة، نالت مصر عدداً من الجوائز أولها جائزة أفضل ممثل التي حازها عمرو واكد عن «الشتا اللي فات» للمخرج ابراهيم البطوط الذي يعدّ شهادة سينمائية عن «ثورة 25 يناير». مصر انتزعت أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة في قسم «المهر العربي الروائي» من خلال «هرج ومرج» الذي يعد التجربة الروائية الأولى للمخرجة الشابة نادين خان. تستعرض خان قصة حب ثلاثية الأضلع مليئة بالصراعات. صراع من نوع آخر يسيطر على شريط «خويا» للمخرج الجزائري يانيس كوسيم الذي فاز بجائزة أفضل مخرج ضمن قسم «المهر العربي الروائي». يستعرض الشريط العنف الذكوري الذي تتعرّض له ثلاث شقيقات على يد أخيهنّ وعلى مرأى من الأم الصامتة. عنوان هذه الدورة كان المجازفة وإعطاء مساحة أكبر للمرأة، والتنوع في اختيار الافلام والميل الى العنف والمواضيع القاسية.




ثورة وحنين

في قسم «المهر العربي الوثائقي»، فاز شريط «أبي يشبه عبد الناصر» (لبنان) للمخرجة فرح قاسم بشهادة تقدير. الفيلم يختلط فيه الحنين بالحزن والفرح حيث تسرد علاقتها بوالدها الذي يشبه الزعيم المصري الراحل. كما فاز فيلم «السلحفاة التي فقدت درعها» (ألمانيا) للمخرجة باري القلقيلي بجائزة أفضل فيلم، و«متسللون» (فلسطين) لخالد جرار الذي يتناول جدار الفصل العنصري بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. ونالت المخرجة التونسية هند بو جمعية جائزة أفضل إخراج عن شريطها «يا من عاش» الذي يستعرض تونس بعد الثورة والتغييرات التي (لم) تحصل. أما في ما يخص جوائز «المهر الآسيوي الافريقي»، فقد فاز الشريط الكوري الجنوبي Pieta لكيم كي دوك بجائزة أفضل مخرج في قسم «المهر الآسيوي الافريقي الطويل» رغم العنف الذي أخذ على العمل. ونال شريط «في الداخل» (تركيا) جائزة أفضل فيلم.