لندن | ضمن مشروعها الطموح، تستضيف «صالة روز عيسى» في لندن عدداً كبيراً من المواهب في المجال الفوتوغرافي المعاصر. المعرض ذو شقين: الأول ايراني بعنوان «عكس» (بالفارسية) يضم الأعمال الايرانية، والثاني عربي بعنوان «صور» يقدّم تجارب عربية لا تقف عند أسلوب واحد. جل هذه الاشتغالات لجأت الى أساليب ومعالجات فنية حديثة تجمع بين السرد المسرحي والمونتاج والرسم بقلم الرصاص والتطريز على القماش والفيديو، فضلاً عن التصوير الرقمي.


لكنّ هذه المعالجات لا تقف عند خلاصة محددة. نحن هنا إزاء لعب على مكنونات الصورة الفوتوغرافية ومكوناتها الأساسية عبر إعادة إنتاجها أو إعادة «تصنيعها» كما يقول أنسل آدامز.
ما تخلقه هذه الصور من صدمة وقلق وإبهار عند المتلقي وزعته عيسى على صالتين يفصل بينهما شارع «غريت بورتلاند ستريت» الصاخب. تحضر في الأولى أعمال الفلسطينية رائدة سعادة (1977) المنفذة بطريقة المونتاج عبر إقحام صورتها الشخصية في عملها «الفتاة الحلابة» المقتبس من عمل الفنان الهولندي المعروف يوهان فيرمير. لكن الاقتباس هنا منح الصورة معنى آخر يبتعد كلياً عن حالة الانغمار في العمل الأول وجماليته الفنية. يتحول المكان (المطبخ في عمل فيرمير) الى كومة أحجار تقف الفتاة وسط خرائبه في تهكّم على الحالة العامة. وفي عمل آخر، تقف الفنانة بزيها الأحمر المثير وسط الحي التجاري والحكومي الإسرائيلي وفي يدها سلة خبز، ومثلهما عملها «موناليزا». فيما يتابع الزائر اشتغالات مواطنها طارق الغصين (1962) وكسره للصورة النمطية للفلسطيني كصنو لـ«الإرهابي» في عمله «من دون عنوان» حيث يتقدم شاب ملثم نحو طائرة، أو في عمله «النظر الى فلسطين» وهو يقف قبالة شواطئ بلده التي يصعب عليه أن يطأها. في حين تؤطر السعودية جوهرة آل سعود معالم صورها بقلم الرصاص وعبر طبع الأفلام السالبة على لوحات تخفي ملامح شخوصها هرباً من سلطة الرقيب الرسمي والمجتمعي مثلما نجد في عمليها «الشاطئ» و«السحاقية».
على الجانب الآخر، تقف أعمال المصرية نرمين همام (1967) المنفذة بالتقنيات الرقمية والأحبار. تؤرخ الفنانة ليوميات الثورة المصرية كشاهدة لحدث لم تألفه أو مثلما تسميه «منطقة الشفق». ذلك أنّ سلسلة صور الاعتقالات التي طالت شباب «ساحة التحرير» حولتها الفنانة الى بيان فني صارخ عبر توظيف فن الطبع على الشاشة مع إقحام مشاهد للطبيعة اليابانية. بيان يركز على فضاء الرجولة الخشن الذي يستمدّ قوته من بدلات عسكرية تثير الهلع، لكنه يتكشف أمامها هشاً وخاوياً. سلسلة «الصحوة» و«التوصيلة» و«المعركة» المستلة من سلسلة «كشوفات» بكل تناقضاتها وتعارضاتها، يمكن أن تكون الإطار العام لأعمال الفنانة نرمين همام ولكنها نفذت بحب عال لمصريتها. اشتغالات همام تذكّرنا بموقف الشاعر والسينمائي الإيطالي بازوليني عند اعتراضه على الاعتداء على رجال الشرطة إبان الثورة الطلابية عام 1968. وضمن هذا المنحى، يمكن مقاربة أعمال مواطنتها صباح نعيم (1967) التي تركّز على مشكلة البطالة في سلسلتها «شوارع القاهرة». في المقابل، يقف عمل الليبية أروى أبو عون (1982) الوحيد «أم وأبنتها» المنفذ بطريقة الطبع الرقمي على الورق، كأنّه محاكاة لتبادل الأدوار بين الأم وابنتها. كذلك، تحضر سلسلة أعمال السعودية منال الضويان «الاختيار» المنفذة بمواد مختلفة على الورق، لتقدم مكاشفة لما تعيشه المرأة السعودية من حيف اجتماعي. هي محرومة من حق التصويت، تجسدها صورة يد مزركشة بالحناء تضع ورقة انتخاب في صندوق مقفل في وجهها. معرض «صور» مكاشفة سياسية واجتماعية وظفت فيه ممكنات الفوتوغراف في مقاربة مواضيع وحالات في زمن صارت الصورة لغته وتجلياتها الفنية قاموسه.




حتى 4 كانون الثاني (يناير) ــ «صالة روز عيسى»، لندن ـــ للاستعلام: 00442076027700 ــ