منذ بداياته الموسيقية مطلع السبعينيات، هذه أطول فترة يغيب فيها زياد الرحباني (1956) عن جمهوره اللبناني. امتد هذا الغياب بين خريف 2010 (إطلاق ألبوم «إيه في أمل») ومساء اليوم، أي أكثر من سنتين. وإذا حدّدنا الجانب الموسيقي بالاطلالات الحيّة في لبنان، فتتعدى الفترة الثلاث سنوات! أما الغياب الكلي، الموسيقي وغيره، عن الجمهور اللبناني وغيره، فهو أيضاً الأطول في مسيرته، ويقع بين آخر الأمسيات التي أحياها في الخليج (الأشهر الأولى من العام 2011) وعودة زاوية «ما العمل؟» (إعادة نشر مقالات قديمة في «الأخبار»، أيلول/ سبتمبر 2012). الأسباب المتتالية التي أخّرت لقاءه الموسيقي الحيّ بالجمهور اللبناني كل هذه المدّة هي: السفر عندما ألغى سلسلة أمسيات Da Capo-3، والإرهاق الشديد، عندما ألغى مشاركته في «مهرجانات بيت الدين 2010» (حفلات DAKT). وأخيراً، الوضع الصحّي الذي أرخى بجحيمه عليه بين صيف 2011 وصيف 2012.


لا نسمح لأنفسنا بكشف السبب الثالث المذكور إلا لنحمل بشرى سارّة إلى محبّي الرحباني: اليوم يتمتّع بصحة جيدة وبنشاط استثنائي. الأعمال كثيرة والمفاجآت السارّة أيضاً. لكن العمل ضخم وبالتالي التعب. أولوية زياد على جدول الأعمال هي الأمسيات التي يحييها مع فرقته، بدعوة من «الأخبار» لثلاث ليالٍ على التوالي في قاعة Event Hill (الضبيه، قرب أوتيل «لو رويال»). لكنّه يعمل على كل الجبهات، والنتائج ستظهر بوتيرة تصاعدية على أكثر من صعيد، مع حلول سنة الجديدة وحتى قبلها.
إذاً، ها هو زياد الرحباني يعود إلى الجمهور بعد غياب أنهكنا وأنهكه أيضاً. محبّوه ومحبو موسيقاه ومحبو الموسيقى اشتاقوا إليه. لكن زياد أيضاً اشتاق إلى الموسيقى وإلى محبّي موسيقاه وإلى محبّيه. اشتاق إلى جمْع الموسيقيين ونبش المدونات الموسيقية ثم التمارين وبعدها الحفلات. من هنا، سيرى الجمهور مساء اليوم أنّ البرنامج ما كان ليتّخذ هذا الشكل لولا الغياب الذي سبقه. العناوين التي اختارها زياد لهذا اللقاء الأول تشكّل بانوراما تعكس سنوات مضت. كأنه أراد استرجاع لحظاتٍ جميلة لرسم ملامح ذكريات قديمة مع متابعي حفلاته. لن نذكر أياً من الأعمال (الموسيقية والغنائية) التي سنسمعها الليلة للحفاظ على سحر المفاجأة، لكننا سنقدّم صورة مختزلة عن البرنامج بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام: الأول، كلاسيكيات شعبية من ريبرتوار الموسيقى الأميركية السوداء في السبعينيات والثمانينيات، بين سول وفانك وبوب... القسم الثاني عبارة عن كلاسيكيات من ريبرتوار الجاز (بي- بوب) والبوسّا نوفا البرازيلية. وأخيراً، أعمال زياد الخاصة وبالإضافة إلى حصة محدودة لريبرتوار الأخوين رحباني. طبعاً، اختيار العناوين التي أدرِجَت في البرنامج أتت لتتلاءم مع شكل الفرقة وحجمها، بحيث استُبعدت الأعمال التي بات من غير الممكن تقديمها بأقل من أوركسترا سيمفونية. الحلم الذي عشناه في حفلات سوريا عام 2008، وتم توثيق جزء منه في أسطوانة تختزن أطناناً من الجمال (بعكس ما يوحي به ثمنها) يصعب تكراره.
في كل مرّة نتناول فيها حدثاً موسيقياً لزياد الرحباني، نضيء على جانب من تجربته. اليوم نختم بأكثر الجوانب تعقيداً في آلية عمل زياد كموسيقي. في الواقع، خلْق النغمات الجميلة ليس بالمهمة الصعبة عند هذا النبع الدفّاق بالألحان. كذلك الأمر بالنسبة إلى التوزيع الموسيقي. تلك أمور لا يسعى إليها زياد، بل «ينتظرها» فقط. ومتى أتت، يترجمها بسهولة. هو عازف بارع، غرباً (بيانو) وشرقاً (بزق)، ومدوِّن استثنائي بسرعته ودقّته. التسجيل أيضاً ليس عائقاً. هو مهندس صوت بالفطرة والخبرة، والاستوديو تحت تصرفه ومواصفاته استثنائية. العقدة التي نتكلم عنها تكمن بين هاتين المرحلتيْن من عملية الصناعة الموسيقية، أي: التنفيذ، أو بعبارة أدق، المنفّذون. طبعاً يلاحظ الجميع أنّه ليس لدى زياد فرقة موسيقية بالمعنى التقليدي للكلمة (كما في البوب والروك والجاز وحتى الموسيقى الكلاسيكية وغيرها). في كل مرة (لتسجيل مقطوعة أو لتقديم حفلة)، يصرف الرجل جهوداً كبيرة لـ «تأسيس» فرقة. هكذا يرصد مغنية على الشاشة أو عازفاً في حفلة، أو يتعرف إلى آخر بالمصادفة أو يخسر عازفاً صديقاً فيضطر إلى إيجاد البديل أو يحتاج إلى آلاتٍ غير رائجة في لبنان فيستقدم موسيقيين من الخارج،... وأحياناً يلغي أو يؤجل مشروعاً بسبب نقصٍ في هذا الجانب. هذا ليس سوى القليل القليل من تشعّبات هذه العملية المضنية. ولا ينقص إلا أن نضيف العنصريْن اللذين يحولان هذا الشرح إلى شعوذة: صعوبة تنفيذ موسيقى زياد ورفضه التنازلات النوعية من جهة، واحتلال لبنان أدنى المراتب عالمياً في توفّر الموسيقيين كمّاً ونوعاً... لكي يكتمل العبث: «طالعلو» دولة لا تدرك أنّ ديمومتها منوطة بواجب توفير كل الدعم له، بحيث لا يحتاج إلى أكثر من تبليغ أي جهة رسمية عن رغبته بتنفيذ تحفة!




زياد الرحباني & Les Artistes: 9:00 مساء اليوم وغداً وبعده ـــ Event Hill (ضبيه ـ شمالي بيروت) ــ للاستعلام: 01/759500