في الحفلتين اللتين يقدمهما بدءاً من الليلة، يحضر رأي زياد السياسي والاجتماعي والاقتصادي من خلال مقالات أو حوارات، كما جرت العادة في معظم حفلاته السابقة. لذا، إلى جانب الكلام الموسيقي عن الحدث (راجع المقالة أعلاه)، نطرح هنا نقاشاً حول أبرز المواضيع التي شُغِل بها جمهور زياد بعيداً عن الفنّ، تاركين للقارئ تحديد وجهة نظره، تبنى هذه المقاربات أم رفضها.


يحتل الموضوع السوري موقع الصدارة في هذه النقاشات. هنا، فقد الجميع موضوعيته. منذ البداية، أراد الطرفان من زياد التصريح بأحد الموقفيْن: «يلا إرحل يا بشار» أو «الله، سوريا، بشار وبس». حتى السكوت ممنوع. لنختصِر: عام 1967 كتب زياد هذه الكلمات (كتاب «صديقي الله»): «أتيتُ الأولادَ المشرّدين بالأوراق، وسألتُهم أن يرسموا أشجاراً، فرسموا أغصاناً طويلة فارغة نائمة على الأرض وعليها مدفعٌ وعسكر، فقلتُ: لا، إلّا هذا. ارسموا زهراً وبيتاً، فرسموا زهوراً ملقاةً في مياه المطر والعسكرُ يدوسُها، وقلتُ: لا، إلّا هذا. ارسموا عصفوراً يغنّي كما كنتم ترسمون مِن قَبْل، فرسموا عصفوراً يبكي والمطرُ يهطل. فسكتُّ وأخذتُ الأوراق وذهبت». إنْ كان هذا ما يشغل بالكم اليوم في ما خصّ الثورة السورية، فأنتم من رأي زياد، موالين كنتم أم معارضين.
ماذا بعد سوريا؟ «حزب الله». مهما قيل، يبقى ما يفرّق بين زياد (موسيقي، ماركسي، من «أتباع» فيلهلم رايش... ماذا بعد؟) و«حزب الله» أكبر بكثير ممّا يفرِّق «حزب الله» عن أخصامه اللبنانيين. زياد و«حزب الله» يلعبان تجاه بعضهما البعض أدواراً تكتيكية: هو يلعب مع «الحزب» دور الوعاء الكبير الذي يطرح استيعاباً مرحليّاً لوعاءٍ صغير مِن غير معدنه، و«الحزب» يقبل بالعرْض ما دام مرحليّاً.
نصل إلى الموضوع الأخير وهو الأكثر تعقيداً. يعيب الجمهور على زياد إكثاره من استخدام كلمة «خـ...» في كتاباته الأخيرة. في الواقع الأمر ليس جديداً، ويعود إلى سنوات خلت (في المقالات والاسكتشات والمسرح، إلخ...). في ما يلي، مراقبة بسيطة لا تبرير فيها لهذا السلوك ولا دفاع عنه. هكذا، في إحدى المقالات السابقة، أشرنا إلى الخط الذي يجمع موزار وسيرج غينسبور وزياد من خلال إتقان الرجال الثلاثة اللعب على الكلام. في مسألة الـ «خـ...»، نعود إلى الثلاثي المذكور، ونلفت انتباهكم إلى المراجع التالية: أغنية Evguénie Sokolov لغينسبور، وعملٌ غنائيّ لموزار يحمل الترقيم التالي: K. 231. راجعوا هذه العناوين وضمّوها إلى قيمة الثلاثي موزار/ غينسبور/ زياد الفنية، ثم سمّوا هذه الصفة المشتركة ما تشاؤون!