أنا لست بالصاحي

لقد شربت حتى ارتويت
حتى تلاشيت صبابةً سديمية
تذهب في غيبوبةٍ ذاهلة
أنا لست بالصاحي
لقد كرعت حتى رثت الأقداح
آملاً أن أتخلص من عبودية التراب
ولكني وا خيبتاه!
هذا الكلام، البوح، الشعر إن شئنا لسليمان عوّاد (1924 ـــ1984)، الوحيد الذي صعد وحيداً. وكان الشاعر ذات يوم قد أخذ كرسيه في الزاوية الغربية من «مقهى الروضة» في دمشق، وكان على موعد طيلة 27 عاماً مع اثنين: «الفجر، والعشيقة». أما الفجر، فلكل العاصمة بمن فيهم نيامها. وأما العشيقة فهي له وحده وإن لم يعرف اسمها أبداً ولم تتعرف إلى اسمه مطلقاً. وكانا كلاهما يعرّفان حبهما بابتسامة تلقيها على فجره، فيردّها إلى ضوئها.
مات سليمان عوّاد وهجر كرسيه، وتاهت البنت وهجرت طريقها، وما زال هذا المقهى شاهداً على الدوام على رجل ينتظر وعداً ما، أو خبراً ما، أو عابراً ما، وها هو «أبو حالوب» العراقي المهاجر، وحيداً يجلس على كرسيه ذاته، يجلس ووجهه للداخلين الى المقهى، يَرى ولا يُرى، يشهد على الجميع ولا أحد شاهد عليه.

جاء إلى دمشق عام 1975، عندما كانت الحملة على الشيوعيين في أوجها زمن صدام حسين

جاء أبو حالوب إلى دمشق عام 1975، عندما كانت الحملة على الشيوعيين في أوجها زمن الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين. كان نظام صدّام بارعاً في زرع الرعب. الخوف من الاعتقال أجبر أبو حالوب على نسيان اسمه والتنكّر له. أربعون عاماً مضت، لم يتجرّأ فيها أحد على سؤاله عن اسمه الحقيقي، كان لا بد لنا أخيراً من السؤال: وفي الإجابة: اسمه لبيد، وله في اللغة ثمانون معنى، ومن معانيه: «القوة». لا تمتّ القوّة لأبو حالوب بصلة، هو ينتقي من المعاني ما يشبهه فقط وهو «اللابت في مكانه»، يقولها بسعادة: «هذا المعنى يناسبني، وأنا هكذا فعلاً». أما معنى «أبو حالوب» فهو «الحَبْ العزيز - حبْ البَرَدْ». في العراق، يسمونه «حالوب».
أحب أبو حالوب دمشق وبقي فيها، وفيها وجد رفاقه العراقيين، ليصبح فيما بعد بريدهم الثقافي والاجتماعي ومحطة الوافدين والعابرين والمقيمين، أصدقاء وأقرباء ومعارف يودعون رسائلهم وكتبهم لديه وبعضاً من وصاياهم ويرحلون. على طاولته، جلس محمد مهدي الجواهري، هادي العلوي، مظفر النواب، سامي كمال، كمال السيّد، سعدي يوسف، رياض النعماني، بعضهم هاجر إلى أوروبا، وبعضهم الآخر توفي. جميعهم كانوا أصدقاء صيف، وحده كرسي المقهى المقلوب دائماً على الطاولة في انتظار «اللابت في مكانه». كان صديق الفصول الأربعة.
يصف أبو حالوب نفسه بـ «شريد الفؤاد كئيب الممر»، يسكن في برزة برفقة ظلّه، «الصديق الصدوق له» حسب التعبير العراقي. هناك، حيث لا زوجة ولا أولاد، لا شيء سوى رشقات رصاص وأصوات قصف تأتي من جوبر ودوما، تلقي بتحياتها عليه وترحل. يأتي المقهى وحيداً مع حلول الفجر، قد يأتيه رفيق أو اثنان، وأحياناً كثيرة لا يأتيه أحد، ليغادر المقهى مرّة أخرى وحيداً مع فجر اليوم التالي.
عرف العراقيون كيف يستثمرون الوقت وهاجروا إلى أوروبا، لكن أبو حالوب لم يهاجر إلا مرة واحدة خرج فيها من موطنه إلى دمشق، لم يعد بعدها إلى العراق ولو حتى في زيارة. حاول عام 1997 مغادرة سوريا، لكنه قوبل بالرفض من الأمم المتحدة من دون معرفة السبب. لم يعاود الكرّة بعدها، رغم استنفار أهله وهو الوحيد لعائلته، ودعواتهم المتكررة له بالخروج. يخاف أبو حالوب هنا في دمشق، لكنه تقولب كما قال على الوضع وصارت الأمور بالنسبة إليه عادية، وماذا عن النهاية؟ حتماً سأغادر، يجيب. وإلى أين، نسأله؟ «إلى موسكو، هناك حيث رفاقي القدامى وحيث لغتي الأساسية (الروسية)».
أبو حالوب ليس المتسكع الوحيد، عرفت دمشق إلى جانبه متسكعاً خرافياً آخر هو محمد بخاري. أبو حالوب وبخاري أقرب إلى الاخوة منهما للأصدقاء، لكن شيئاً مشتركاً لا يجمع بينهما، فـ «بخاري سكران على الدوام وأنا صاحي على الدوام»، يعلّق أبو حالوب ضاحكاً. وماذا عن الأصدقاء السوريين، مَنْ منهم ترك في ذاكرتك، شيئاً، أو مثلاً، أو ذاكرة؟ «صديقي الأول هو ابراهيم الجرادي، معه عشت أيام جوع في مخيم اليرموك، كانت حياتنا بوهيمية، ديون، فوضى، عبث». وماذا عن ذاكرتك السورية المسجلة لنا ونحن المكشوفون أمامك على مدى أربعين عاماً، ألا ترغب في أن تفرّغ هذه الذاكرة على الورق؟ «دعوني أسافر من هنا أولاً، ولكل حادث حديث».
آخر المتسكّعين سيغادر دمشق أيضاً، لا نعلم متى، لكنه حدد الوجهة، وما تبقى هو قليل من الوقت والحظ.
في الطريق إلى موسكو، نصيحة لأبو حالوب: «لا تنتعل حذاء في قدميك، كي لا تضطر إلى خلعه على أبواب المطارات، فأحذية العراقيين كما السوريين باتت تهدد الأمن القومي لدول العالم».