«لا أحب»، و«أكره»؛ حاولَ المدرّبُ الشّاب، جاهداً، التركيز على الفرق الكبير بين التعبيرين، وأثرهما على ذات القائل، وعلى المستمع في آن. وراح يستفيض في الغوص في البعد النفسي السّابق، والأثر النفسي المحتَمَل في التغيير، إِنْ نحن استطعنا أن نتبنّى التعبيرَ الأكثر إيجابية، وإن نحن أخذنا ذلك الفرق، في الأثر، على محمل الجد.

قيلَ لي إنّ إحدى جدّاتي كانت قد وقفت بسلاحٍ كامل أمام دار أهلها التي خلت من الرجال في محاولةٍ منها لحماية الدار التي كان يديرها أخوها، ولم تكن قد جاوزت الرابعة عشرة. جدّتي ذاتها، غدت تحرس اجتماعاتٍ لحزبٍ تقدّمي محظور في فترة مبكرة من العمل الوطني. وكان مجرّد تواجدها أمام باب الدار كفيلاً بإبعاد أيٍّ من الواشين المحتملين، من أهل القرية من دون أيِّ سلاحٍ هذه المرة. لكن لأنّها، ببساطة، اشتهرت بقدرتها على أن «تقول للأعور.. أعور بعينك».
سنواتٌ كثيرةٌ مضت، مذ سألني أحد أعضاء لجنة القبول في «المعهد العالي للفنون المسرحية» في دمشق، سؤالاً مباغتاً خارجاً عن سياق «المقابلة الشّفهية»– كما كنا نسميها – مفاده: «هل حضرت معرض الكتاب هذا العام؟ وما هي الكتب التي طغت على معروضات الدور المشاركة في المعرض؟». بعد جوابي بـ «نعم»، رحت أعدد عناوين الكتب التي صادفتني خلال زياراتي المتكررة للمعرض وقتها. وما هي الكتب التي سمحت لي الماديات أن أقتنيها. وكنت أجهد في تذكر العناوين الباقية حين قاطعني من جديد: «يعني مو كتب الطبخ؟!». وأردفَ عضوٌ ثانٍ بجانبه، بحزمٍ ونوعٍ من الخيبة: «والكتب الدينية!». وكان صمتْ.
عنونَ إيف بونفوا، عن ترجمة أدونيس لأعماله الكاملة، إحدى قصائده «في خديعة العتبة...». أدونيس ذاته الّذي تكلّم، في وقت لاحق، عن «الهويّة غير المكتملة» في أحد منشوراته المشتركة، كان مع كتّابٍ آخرين، من بين أسماء كثيرة رحت أذكرها أمام اللجنة الفاحصة في تلك المقابلة. الآن، وبعد سنوات، أنظر إلى ذلك المشهد. كان حقيقياً أنّ معظم منشورات دور النشر في ذلك المعرض، وفي كل المعارض التي تلته في السنوات اللاحقة، كانت إما كتباً دينية، وإمّا كتباً عن الطبخ. وكان حقيقياً أنّ العناوين والأسماء التي كنت أبحث عنها، كانت لا تعدو كونها جزراً صغيرةً في محيط أو نوافذ ضيقة في جدرانٍ كثيرة وواسعة. لكنّ الأكثر حقيقيةً، ومن أسف، ذلك المشهد الّذي رأيتُ نفسي به حين تطلعت عليَّ من بعيد في تلك المقابلة. كنت، حقيقةً، أحاولُ، أمامَ اثنين من كبار المثقفين وقتها، أن أثبتَ وجودَ تلك العناوين بالفعل. كمن يحاولُ، يائساً، فتحَ تلك النوافذ الصغيرة بعبثية واضحة. رأيتُ تلك النوافذَ حفراً. وكنت كمن يدفنُ رأسه في تلك الحفر هروباً من مواجهة خطرٍ داهم في تجلٍّ واضح وواقعي لما أسميته، فيما بعد، «سياسة النعامة الثقافية».
سخرَ صديقٌ أفضيتُ له بذاك الشّعور، وعلّق: «مين عم يقرا يا رجل!». المشكلة أنّ الغزو الهائل لتلك الكتب منذ ذلك الوقت، كان أكبر من أن يصح تجاهله. وأعتقد جازماً أنّ تجلّياته الواقعية في البناء والممارسة الحياتية باتت واضحة، وأكثر تأثيراً من الكتب نفسها. أضف إلى ذلك تلك الورشات التدريبية المكسوة برداءِ المدنية (مدرّبنا الذي لا زال شاباً)، التي تدعوك بعملية ممنهجة إلى «سلوك النعامة». أخشى أنّ الكتب، لم تكن تُقرأ فعليّاً. لكنّ وجودها بهذه النسبة ساهمَ، بشكل مؤثر، في العزوف عن القراءة. وأسهم، بالضرورة، في المعادل الموضوعي الطبيعي في النتيجة... الحربْ.
«عتبة» إيف بونفوا، في قصيدته، كانت تشي، على الأقل، بـ «باب» قابل لأن تلج من خلاله إلى أفقٍ ما. وخديعتها، في التأويل، خديعةٌ آنية مفترضة. لكن، ماذا عن النوافذ؟ ماذا عن تلك الخديعة؟ خديعة النافذة. كتبتُ، بدوري، في وقتٍ لاحق، على لسان جدٍّ مسن: «لا أريدُ لك أن تبقى في خديعة النافذة». هنا، لا أتحدّث عن علاقةٍ يومية بين أفراد، تصحُّ معها المجاملة الاجتماعية. نحن، حقيقة، أمام جدار. منذ سرت «سياسة النعامة الثقافية». منذ أضحت كتب الطبخ والكتب الدينية بحراً، وغيرها جُزُراً. منذ لم يعد يُعْقَدُ اجتماعٌ لحزبٍ (تقدّمي) محظور ينتمي لفكرٍ اجتماعيٍّ انتمت إليه جدّتي. نحنُ بحاجةٍ إلى فتحِ أبوابٍ متعدّدة ثقافية، لنلج عبرها خارجين من حُفَرِ النوافذ. لأنّ «النافذة... توكيدُ المعنى في الجدارْ».