مع ظهور أوّل فيلم سينمائي ناطق، في عام 1927، لم يخف تشارلي تشابلن استياءه منه، معلناً أنّ السينما الناطقة أفسدت فن البانتوميم (الحركات الإيحائية)، وأبادت جمال الصّمت العظيم.


■ ■ ■


كما يمكن لسبع نوتات موسيقية صياغة ألحان لا متناهية، كذلك يمكن للأبجدية أن تختلق من الكلام ما لا حدود له. لكن غياب الصمت بين النوتات المعزوفة يحول الموسيقى إلى صخب دون معنى، وكذلك غياب الصمت وسط الكلام يحوله إلى ثرثرة لا طائل منها.

■ ■ ■


«هل الدجاجة وجدت أولاً أم البيضة؟» سؤال يختصر ماهية الجدل البيزنطي. هذا النوع من النقاش العبثي الذي وجد أيّام الإمبراطورية البيزنطية، حين أدمن مواطنو بيزنطة الجدل اللاهوتي، والنقاش حول طبيعة الثالوث المقدس، ولم يثنهم عن ذلك حتى المرسوم الإمبراطوري الذي أصدره قسطنطين الثاني، والقاضي بحظر مثل هذه النقاشات، تحت طائلة العقوبة. عوقب البيزنطيون وعذبوا، من دون أن يكفوا الجدل.
مع وصول السلطان العثماني محمد الثاني، في القرن الخامس عشر، لمحاصرة قسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، فشل أيضاً الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر بحضّ مواطنيه على مواجهة الغزاة، والتخلّي عن النقاش حول ماهية جنس الملائكة (هل هم من الذكور أو الإناث؟) وهل إبليس يبلغ من الحجم بحيث لا يتسع له مكان، أم أنه ضئيل إلى حدّ يمكّنه العبور من ثقب إبرة؟ سقطت قسطنطينية آنذاك، وتحوّلت لتكون الأستانة، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، معلنة بداية مرحلة جديدة من التاريخ البشري، من دون أن ينتهي الجدل البيزنطي، الذي يزدهر في كلّ مرّة يتعرّض فيها شعب من شعوب الأرض لحرب ما، وتتسع مروحة مواضيعه، ويتيح الفرصة للفتاوى الدينية لإطلاق أحكامها للفصل بين المتجادلين في قضايا كانت حتى وقت قريب تعتبر بديهية.
يمكن، لمن يشاء فلسفة الأمر، تأويل انكباب البيزنطيين على جدلهم، تحت وطأة الحصار والهزيمة المحتومة، إلى الخوف من المصير المنتظر، والانشغال عنه بما لا جدوى منه ولا نهاية له. غير أنّ الجدل البيزنطي المعاصر، بابتعاده عن الميتافيزيقا، تحوّل إلى وسيلة لتعميق الخوف لدى من يخالفنا الرأي، واستجداء الفتاوى لقتله وإلغائه، ما جعل حروبنا أكثر وحشية وعبثية، وتبدو شبيهة بالجدل البيزنطي من حيث المرجوّ منها.
من امتلك السفسطة، وجد في الحرب فرصة للاسترزاق، عبر خطابات تثبت لكلّ فريق من المتصارعين أحقيته في الصراع

■ ■ ■


في ظروف مناقضة للظروف التي أوجدت الجدل البيزنطي، عرفت اليونان القديمة «السفسطة». فالنهضة التي عرفتها الإمبراطورية اليونانية، بعد حربها مع الفرس، أوجدت جيلاً من الشباب الساعين لقتل آبائهم (بالمعنى الفلسفي)، والابتعاد عن رموزهم الفكرية والعلمية، تحت ذريعة أنّ ثقافة الأجداد تحدّ من الإبداع، وتضع حدوداً للإمكانات العقلية. ابتعد هؤلاء الشبان عن الفلسفة، التي اشتقّ اسمها من لغتهم «فيلوسوفيا» والتي تعني حبّ الحكمة، أو البحث عن الحقيقة، وتحوّلوا إلى جماعة تعمل لفرض آرائها على الآخرين، عبر الجدل الذي لا يعرف حدوداً، ولا يستند إلى منطق.
هي نظرية الجدل للجدل، التي وجدوا فيها وسيلة للاسترزاق، فراحوا يتنقلون في بلدان مختلفة لتعليم من يريد الانتصار لقضية ما، مهما بلغت من السطحية والسذاجة، ومهما احتوت من أخطاء، آلية القيام بذلك بواسطة الجدل، لقاء أجر مادي.
كان السفسطائيون محدودي المعرفة بالعلوم والثقافة والفكر، لكنهم امتلكوا اللغة، ويعتبرهم البعض مؤسسي فن الخطابة، الذي استطاعوا تسخيره للبرهان على صحّة نظريات ونقيضاتها، عبر تطويع اللغة لخدمة أغراضهم وحرف أذهان المستمعين إليهم عن المنطق والصواب. وبلغوا ذروة سفسطتهم بالقول إنّ «الحقيقة تدرك بالإحساس»، مخالفين بذلك الفلسفة والعلم اللذين قالا إن «الحقيقة تدرك بالعقل». ومن ثمّ أكّد السفسطائيون على عدم وجود الأشياء، وبالتالي انعدام المقدرة على المعرفة، مبررين بذلك كلّ خطأ، فالحقيقة والصواب باتا خياراً وقناعة شخصيّة، لا علاقة لهما بالمنطق والحقيقة.
رغم اختلاف الظروف التي أوجدت السفسطة عن تلك التي أوجدت الجدل البيزنطي، غير أنّ أزمنة الحروب أثبتت أنها الأرض الخصبة لتكاثر أتباع الطريقتين. فمن امتلك السفسطة وجد في الحرب فرصة للاسترزاق، عبر خطابات تثبت لكلّ فريق من المتصارعين أحقيته في الصراع، مكتفياً بثمن خطابه بوصلة له نحو الحقيقة المدمغة التي ستتحول إلى الطرف النقيض ساعة يدفع ثمناً أغلى. ومن امتلك المقدرة على السجال يتحوّل أداة لدى الفريق الذي يناصره منهكاً مساجليه من الفرق الأخرى بجدل عقيم لا طائل منه.

■ ■ ■


الصمت بوابّة الفهم

■ ■ ■


يولّد اختلاف التصورات الذهنية عن حقيقة الأشياء أحكاماً خاطئة، مثلما يولّد غياب المنطق عن السلوك أفعالاً خاطئة. الصّمت مساحة للتصويب.

■ ■ ■


حين يكون الجميع على حق، والجميع يفعلون الصواب، تنتفي احتمالية الاعتراف بالخطأ، وتكون الحروب.