تنظم «مجموعة «اتجاهات» السورية التي تعنى بالثقافة المستقلة، بالتعاون مع «مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة» (دي كاف) الذي تحتضنه القاهرة حالياً، «الملتقى الدولي للفنون السورية المعاصرة» (Focus Syria) بصفته فعالية موازية لملتقى الفنون العربية المعاصرة التابع لمهرجان «وسط البلد للفنون المعاصرة» D-caf في العاصمة المصرية.

جاءت فكرة إقامة Focus Syria في بيروت حين استحال تنقل كل الفنانين السوريين إبان النسخة الأولى من «الملتقى الدولي للفنون العربية المعاصرة (٢٠١٤)» الذي أقيم في القاهرة. لذا، جاء تنظيم ملتقى في بيروت مخصص لنقل المشهد الفني السوري المعاصر بالتوازي مع ملتقى القاهرة الذي يضم حوالى 50 فناناً من العالم العربي يقدمون حوالى ٣٥ عرضاً. بالإضافة إلى إتاحة أعمال فنية شابة ومعاصرة إلى الجمهور، يسعى الملتقى إلى تقديم هذه الأعمال أمام مدراء مهرجانات، ومبرمجين ثقافيين وقيّمين فنيين من مختلف أنحاء العالم بهدف منح فرص نشرها وعرضها في الخارج.
الملتقى الذي تتوزع أنشطته بين «مسرح دور الشمس» و«مسرح مونتاني» في «المعهد الفرنسي»، و«زيكو هاوس» طوال يوم الاثنين 18 نيسان (أبريل)، يتنوع بين توقيع كتب بحثية، وتنظيم لقاءات مع فنانين سوريين، بالإضافة إلى تقديم ثلاثة عروض مسرحية راقصة وموسيقية. يبدأ هذا النهار بجلسة تشهد تقديم أعمال فنية قيد التطوير لكل من ميار ألكسان، ولينا عيسى، وعمر الجباعي، ورغد مخلوف وأسامة حلال، بحضور عدد من المبرمجين والفاعلين الثقافيين. يلي ذلك إصدار ثلاثة مطبوعات بالتعاون مع «دار ممدوح عدوان» تتعلّق بالبحث الثقافي وبالراهن الثقافي السوري.
في هذا السياق، يشير عبد الله الكفري، المدير التنفيذي لـ «اتجاهات» إلى أنّ التركيز على الأبحاث نابع عن نقص حاد في البحث الثقافي المعمق: «علينا أن نعمل على دراسات معمقة عن وضع الثقافة السورية. طبعاً هناك الكثير من المواد المتوافرة، لكنها غالباً ما تكون سريعة، ذات هدف إخباري أو توثيقي أو تأتي في إطار مناسباتي. هذه واحدة من الإشكاليات التي تواجهنا. لذا من المهم جداً أن تُعطى فرصة للباحثين السوريين لطرح أسئلة لمواكبة الواقع الثقافي السوري الراهن الذي يشمل التحولات الأساسية والجوهرية التي تصاحب مجمل العمل المدني وجزء منه العمل الثقافي. كذلك كان مهماً أن نسعى إلى تطوير أدوات البحث العلمي».
ترجمت هذه الأفكار التي تحدّث عنها الكفري عبر برنامجين بحثيين سنويين هما «أبحاث لتعميق ثقافة المعرفة» و«أولويات العمل الثقافي السوري». الأول عبارة عن برنامج بناء قدرات وإتاحة فرص تفرغ لعشرة باحثين وباحثات في مجالات البحث والدراسات الثقافية، وأتى الثاني ضمن إطار «برنامج السياسات الثقافية في المنطقة العربية» ويهدف إلى «تأسيس مساحة مشتركة للفاعلين الثقافيين والتوافق على آليات عمل مشتركة نحو تغيير في ديناميكيات العمل الثقافي المستقل». نتج عن البرنامج الأول دليل تدريبي حول تصميم الأبحاث الثقافية، وكتاب يضم خمس أوراق بحثية للراهن السوري.

ختام النهار مع عازف البزق آري سرحان وفرقة «طنجرة ضغط»

ركز عمار مأمون في البحث الأول على «المعالم الجمالية لحضور وغياب الجسد في النص السوري» وعلى كيفية ظهور الجسد في الكتابة الإبداعية، مستعيناً بخمسة نصوص كتبت عام ٢٠١٤. وفقاً للكفري، لا يركز البحث على التحليل الإبداعي للنصوص، بل على الأشكال التي يظهر فيها هذا الجسد: علاقة الجسد مع الفضاء وفق متغيرات الوضع السوري. الجسد المعذب الجسد المسجون، التهديد بالموت وكل التحولات التي كانت بشكل أو بآخر تُصب على الجسد. وتلك واحدة من التيمات الجديدة التي حضرت بقوة في كل الكتابات الإبداعية السورية. يرى الكفري أن «هناك انزياحاً من تيمة الجنس التي لم تعد محورية لصالح تيمة الجسد لأنّ بكل بساطة لم يعد الجنس مجازاً لرفض الفرد للمجتمع». في إطارٍ متصل، أعد الفنان التشكيلي محمد عمران بحثاً حول «صورة الجسد المعذب في الفن التشكيلي السوري المعاصر». قسمت الدراسة إلى محورين أساسين هما «الجسد المعذب في التشكيل السوري قبل الثورة»، و«الجسد المعذب في التشكيل السوري أثنائها».
من الجسد، ينتقل القارئ إلى الفضاء العام والحيز الخاص وتأثرهما ببعضهما. في بحث «البيئة المعمارية واللاجئ/ة السوري/ة»، تطرقت آلينا عويشق إلى العلاقات التي تتشكل بين الخيمة والفضاء العام، راصدةً التأثيرات الاجتماعية لتلك الفضاءات، إذ نشأت ــ وفقاً للكفري ــ آلية تجمّع جديدة بين البشر، ما يحتّم خلق نمط جديد من العلاقات نتيجة الوضع الفوضوي وهشاشة سبل العيش... ومما يؤدي أيضاً إلى طرح تساؤلات مستجدة عن الدور الاجتماعي للرجال والنساء والأطفال نتيجة هذا التحول. علماً أنّ الدراسة أجريت في مخيم الجراحية في البقاع. يضاف إلى الأبحاث الثلاثة أعلاه، بحث «المسرح السوري واللاجئون السوريون في لبنان» الذي أعده عمر الجباعي الذي عرض الأشكال المتعددة لحضور الممارسات المسرحية التي تعاطت مع وضع اللجوء وبحث «سوريا في مضمون وسائل الإعلام العربية»، حيث تم التركيز على مضمون الخطاب الإعلامي ونقل الخبر في عدد من المؤسسات الإعلامية منها «الميادين» و«العربية». نفذ هذا البحث كل من ماهر سمعان، نالين ملا ووائل حمادة.
كذلك، نتج عن برنامج أولويات العمل الثقافي السوري كتاب «عن العمل الثقافي السوري في سنوات الجمر» الذي تضمن ثلاثة أبحاث. يركز هذا الكتاب، على العمل الثقافي في وقت الأزمات. تطرق البحث الأول للدكتورة ماري الياس إلى دراسة مقارنة بين «وضع لبنان الثقافي بعد الحرب الأهلية ووضع العراق بعد سقوط نظام صدام حسين لاستشراف مجموعة من الأسئلة التي تخص الواقع السوري اليوم». وعرض البحث الثاني لراما نجمة أدوات وأشكال التدخل الثقافي خلال وقت الأزمات، مقدماً نماذج سابقة في شرق أوروبا وأفريقيا، مشيراً إلى دور الثقافة والفنون في تحقيق المصالحة والسلم الأهلي. وأخيراً، تطرق البحث الثالث إلى سبل تطوير الهياكل الثقافية في سوريا.
تترافق تلك الإصدارات البحثية مع عروض مسرحية راقصة لكل من أسامة حلال الذي سيعيد عرض «فوق الصفر» (راجع المقال أدناه)، ومثقال الصغير الذي يقدم «إزاحة» بعد عرضه في مصر. ويأتي وقع الختام مضاعفاً بلقاء عازف البزق آري سرحان وفرقة «طنجرة ضغط» في «زيكو هاوس».

* «الملتقى الدولي للفنون السورية المعاصرة» Focus Syria: بدءاً من الرابعة من بعد ظهر الاثنين 18 نيسان (أبريل) ـــ «مسرح دور الشمس» (الطيونة) و«مسرح مونتاني» في «المعهد الفرنسي» (طريق الشام)، و«زيكو هاوس» (الصنايع)