فعلها عمر راجح. لقد رقص على البيض في بيروت، من دون أن يكسر بيضة واحدة. لا يحيل الرقص على البيض، إلى المائدة الحقيقيّة التي فرشها لنا على طول الخشبة وعرضها، وبنى حولها استعراضه الراقص، بل إلى الفخاخ المزروعة على طريق هذا النوع من المشاريع.

هناك فخ «حوار الحضارات» الذي توحي به للوهلة الأولى فكرة العمل. أن تجمع ٤ راقصين/ مصمّمي رقص: الأفريقي (توغو) أناني سانوفي، والأوروبي (بلجيكا) كون أوغستينن، والياباني هيرواكي أوميدا، واللبناني عمر راجح، إضافة إلى فرقة آتية من فلسطين: «تريو جبران» الاستثنائي (سمير ووسام وعدنان يرافقهم يوسف حبيش على الإيقاع). الثلاثي يشارك بموسيقاه الحيّة التي هي جزء عضوي من الاستعراض، بل قل روحه ونسغه. لا يمكننا للوهلة الأولى إلا أن نحذر من حوار الهويّات واللغات (بما فيها لغات الجسد طبعاً). إنّه يعجب كثيراً الداعمين والإعلام والجمهور، في الغرب المحتاج باستمرار إلى تأطيرنا داخل نظرته، وإخضاعنا لخطابه ومصالحه، في السيرك «الحضاروي» الكبير.
وهناك فخ الفولكلور و«الإيكزوتيك». كل العالم يسيل لعابه، وتغمره الدهشة الاستشراقيّة لدى سماع كلمة المطبخ اللبناني. ومسرحيّة «بيتنا» قائمة على فكرة «الفتّوش» الذي يعدّه الراقصون والموسيقيّون خلال العرض، بإشراف أم عمر (راجح) وتحت رعايتها. ولا يخفى على أحد أن العمل الذي افتتح BIPOD 12، وأقام ثلاث ليالٍ في ربوعنا، هو إنتاج مشترك انطلق من فيينا، وتكرّس في باريس (كريتاي). وسيستأنف جولته العالميّة للقاء جمهوره الغربي، مثل فيلم دنيال عربيد الممتاز «باريسيّة» الذي انطلقت عروضه في بيروت. (المقارنة ليست عرضيّة، بل تستدعي التأمّل في أنماط الإنتاج المتاحة لمبدعينا، ومدى قدرة هؤلاء على التحكّم بخطابهم).
وهناك أخيراً فخ الطبيعيّة Naturalism في المسرح، القائم على المصطلح والرمز والمجاز. «الطبيعيّة» (بقدونس وبصل وبندورة وسماق وزيت…) وحش من الصعب ترويضه، ومن شأنه أن يخطف الانفعال، ويلتهم العمل ويكسر هالته، ويبتلع الخطاب الفنّي والجمالي.
لكن لا، حدثت الأعجوبة. المؤلفون السبعة إذا جاز التعبير تجاوزوا المخاطر بخفّة وصدق ومهارة. هذا العمل الجماعي نتيجة تفاعل صادق وجهد وبحث وتساؤلات، وثمرة حوار حقيقي بلا تنازلات. يتجلّى ذلك في حريّة الجسد وتطوّر الحركة وتقاطع المفردات الحركيّة، وارتباطها بموسيقى «التريو»، وتراكبها مع فكرة الطبخ، صنو الإبداع ومرآة الهويّة. بدأ الرقص متنافراً. كل راقص وحده، من البوتو دانس (هيرواكي) والحوربة الوثنيّة (أناني) إلى البريك-دبكة (عمر) والتجريد (كون). لكنّ الأجساد العاجزة عن التلاقي والتحاور، لم تلبث أن دخلت في تناغم رباعي. رفع الفنانون أنخابنا، عرقاً زلالاً. أكلنا الفتوش أيضاً، كما يأكل المحتفلون ذبيحتهم في الطقوس الإغريقية. أم عمر هي الأيقونة التي اكتمل الاحتفال تحت بركاتها، مأدبتها جمعتنا على اختلافنا، لفترة العرض. عمر، من الآن فصاعداً في ملعب الكبار. لكننا لم نشبع تماماً، كأن الرؤيا الكوريغرافيّة لم تذهب إلى النهاية؟