لم يعد عصام محفوظ (1939 ـــــ 2006) واقفاً في الأفق، يوتر راجمات الشعر، غير مطمئن إلى لغته ولا إلى لغة الناس ولا إلى لغة البلاد. غير أنّه لا يزال في سحابات الأبراج. سحابة برج الثور، العنيد حد التشبع. هكذا، لا يردد مجاملات المساء، مسحوباً إلى هوامش سريره. لا يزال في السحب، مع نصوصه المسرحية. كل نص كون. كل نص بتخطيطات وقوانين وشرائع، في افتراعات الرحم البكوري للغة.


ذلك أنّ عصام محفوظ، إذ خرج من الشعر، إثر هزيمة عام 1967، خرج من الشعر إلى شعر الشكل. نصوصه في صميم تخليق وحضور النص المسرحي المؤلف، بعد تجربة المسرحيين اللبنانيين على الاقتباس والترجمة. نصوص العبور من حصار الهزيمة، إلى نوع من المزاج النافذي، الهارب من زمن القفلات، إلى زمن هيولي معقد آخر. انفتحت بوابات الكتابة المؤدية إلى عرش المسرح، بعيداً من عبث المحاولات القديمة، وفي قلب العبث، عبث المفهوم والمنهج.


سينوغرفيا بين المباشرة والشعر، بين الواقع والفانتازيا

مات عصام محفوظ. مات غير أنه لم يمت. ترك مجموعة من النصوص، المدونة على ثورة اللغة، لا على الحفاظ عليها. المدوَّنة على الكون الشخصي، لا على قياس الوعي السائد. «الزنزلخت» (كتب عام 1964 وعرض عام 1968)، و«الديكتاتور» (1969)، و«لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71؟» (1971)...
أتقن محفوظ الشعر في المسرح، كما أتقن المسرح في الشعر. لأنه آمن بأنّه اللاعب الكوني الوحيد في المسرح. طوفان من الطروحات في تأوّجات ختامية. صعق للهدوء بالأجراس. تقنيات الاشتغال العصرية المفتوحة الآفاق، تلقِّح الحرف بالمشهد وتدمغه بختم النظام الثنائي. بقيت النصوص هذه مشدودةً بهوة اللغة رغم أجنحة تطلقها الكاملة وتحولها المحدودة. نص واحد يولد بأكثر من مرة. غير أنه لا يدور في حلقة فارغة، حيث يكرر الواقع نفسه، مطهراً النص من هبوبات التكرار القاتلة. نفخ عصام محفوظ أنفاسه برئات تلك النصوص: «لماذا رفض سرحان...» غير اليقيني يعدّ من أبرز نصوص المعادلة هذه. موسيقاه من اللاموسيقى. هكذا اختارته المخرجة لينا خوري كي تقدمه من دون تأخر في مضمون المنتج الثقافي في «الجامعة اللبنانية الأميركية». جزء من طوفان التجربة في الجامعة ذات الشهرة الواسعة في تدريب وتقديم بعض أبرز الأسماء في عالم المسرح في ثمانينات القرن العشرين، حين هج المسرح من الشارع إلى الجامعة، بعدما أفسدت المليشيات الشارع وأعادت تعميره على الغرائز والتنويطات ذات النشازات المشوشة العالم. لا تشتغل لينا خوري على مرياح أجنحة الوهم. تقيم هندسة المسرحية، لا على شؤون حريتها السابقة، كما حدث في «مجنون يحكي»، و«صار لازم نحكي» وغيرهما من الأشغال المسرحية الخاصة، لأنها تريد أن تضيء نجمة المسرح في سماء من لا يجد توازنه في المسرح. «لماذا رفض سرحان...» شغل أكاديمي، لا شغل الصوت المفرد. مادة من مواد. جزء من منهج، لا يستطيع الأكاديمي عبور الجامعة من دونه. «الأكاديمي» كلمة مفتاح في توصيف المسرحية الجديدة. لا توارب لينا خوري لأنها ترغب كأستاذة لمادة الدراما في الجامعة، في تقديم رفاهة الخلاص، من تهمة الاشتباه بالعلاقة بالمسرح. معظم الطلاب هنا وقعوا في الشرك البلدي، إذ بدوا بعيدين عن معرفة الكثير من الإشارات اللازمة، لا للعمل في المسرح، بل بمباشرة الحياة. «لا يعرف الكثير من الطلاب المشتغلين في المسرحية، الكثير عمن أنشأوا تجربة المسرح في لبنان. لا يعرفون ريمون جبارة مثلاً. حين عُرض الفيلم الخاص بريمون جبارة في الجامعة، لم يعرفه المشاهدون (الطلاب). أخذت عصام محفوظ حتى أُعرِّف الطلاب إلى كاتب مسرحي لبناني، لن أغفر لأحد الاستخفاف بتجربته. لن أغفر لأحد عدم معرفته به» تقول خوري، مضيفةً: «انتقت «لماذا رفض سرحان...» لأنّها رواية تروي الحاضر أو رواية الانقلاب المستحيل على التوازن على الستاتيكو». لا تزال النضالات نضالات فردية. هكذا تراها. ثم لا شيء تغير، منذ أن صاغ عصام محفوظ نصه المسرحي في ستينيات القرن الماضي، كأنه يصوغه على معطيات الأيام الراهنة. «الناس غاشية وماشية» تصرّح. لم تتعفف عن نص محفوظ، بعدما اختارته من كامل نصوصه لأنها قرأت كل مسرحياته منذ سنوات بعيدة. وجدت فيها برق الصوت المفرد، راوي حكايات الجماعة. هنا، تصيب عصفورين بحجر واحد، على المثل اللبناني. «هذا ما أريد أن أشير إليه، أن أؤكده من خلال النص، وأن أُعرِّف الطلاب على مسرحي لبناني». هنا، معرفة منسقة لأنّ من وظائفها الانتماء إلى جو المسرح الدافئ، من خلال دورات الشغل المسرحية. تعلُّم المسرح، يعبر من معرفة وضع ميزانية المسرحية، إلى تصميم الملصق وتنظيم التمارين وتصميم الملابس والإضاءة وإشراك العناصر في وحدة مجبولة بالتنسيق اللازم. «هناك تفاوت بين الطلاب المشاركين. بعضهم اشتغل في العديد بالمسرحيات الجامعية. بعضهم يخوض هنا تجربته الأولى. عندي 19 ممثلاً متفاوتي القدرة والقوة والحضور، في نص سياسي مباشر. لغة النص، لغة مباشرة».
سيرفع بعضهم حضوره. سوف يخطف آخرون حضوره. رفع وخطف في نصّ غايات. واحدة من غاياته الأولى، استحداث لغة الخشبة، ومواجهة فوضى العالم التاريخية. «عالم يسير باتجاه واحد» كما جاء في بيان محفوظ المسرحي. من الصعب التفلت من تيار الاتجاه الواحد، الكاسح والعنيف. هذا زنبرك العالم. هكذا رأى عصام محفوظ، بوعيه الجارح ولغته الجارحة. نص سياسيٌ مباشر. لن يؤدي هذا إلى بناء لينا خوري مسرحية «لماذا رفض سرحان...» على المباشرة والمباشرة. سينوغرفيا المسرحية تجمع بين المباشرة والشعر، بين الواقع والفانتازيا. كوميديا وتراجيديا. موسيقى ورقص ومسرح كباريه. لا يخفى على أحد أنّ الكلمة وردة المسرحية الصلبة لأنها مسرحية سياسية. لا شيء يشتت ذلك. لا هجر للحقيقة هذه. سوف نتجاسر على القول بأنّ «لماذا...» قد تخرق حرم الجامعة إلى عروض عامة، كما فعلت مع عروض سابقة.

«لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71؟»: بدءاً من 20:30 مساء اليوم حتى 28 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــــ «مسرح غلبنكيان» (حرم الجامعة اللبنانية الأميركية ـ بيروت). للاستعلام: 03791314 ext.1172