تأخّر فيلم دانيال عربيد الأخير في الوصول إلى بيروت، لكنّه وصل أخيراً. وعلينا الاحتفال به بقوّة. نحتفي به، ليس فقط لأنّ هذه المخرجة اللبنانيّة بنَت بهدوء مساراً سينمائيّاً على حدة بين أبناء وبنات جيلها (٧ أفلام قصيرة تجمع بين الوثائقي والإبداعي والروائي، و٤ روائيّة طويلة). مسار قوامه الابتكار والجرأة، ونكء الجراح الجماعيّة، والتجرؤ على المحظورات السياسيّة والأخلاقيّة والفكريّة. موضوعة الجنس تحديداً، تحتلّ مكانة أساسيّة في رؤيا عربيد وخطابها. نحتفي بعربيد العائدة، ليس فقط لأنّها واجهت مشاكل رقابيّة مؤسفة، وتكاد تبدو «مرذولة» في بلدها منذ باكورتها الروائيّة «معارك حب» (2004)، كأن بيروت ضاقت بأفلامها، بل لأنّ شريطها الروائي الرابع «باريسيّة» (أو «لا أخاف شيئاً») الذي يعرض الآن على الشاشات اللبنانيّة، هو أكمل أفلامها، وأنضجها، على مختلف المستويات: السيناريو (كتبته مع جولي بير وبيار شولير)، والتمثيل (منال عيسى اكتشاف الفيلم، دارينا الجندي… وحفنة من الممثلين الفرنسيين المكرسين والجدد: دومنيك بلان، فينسان لاكوست، بول آمي…)، والفكرة، والخطاب، والتصوير، والمونتاج والموسيقى… وطبعاً الإخراج وإدارة الممثلين.

في فيلم عربيد الجديد الذي صوّرته بإنتاج صغير في خلال أقل من شهر (تحيّة إلى المنتجة اللبنانيّة سابين صيداوي)، كل شيء ممتع، ومتقن، وقد اختفت تلك الهنات التقنية والدراميّة الصغيرة التي تندسّ في الكثير من الأفلام اللبنانيّة رغماً عنها. نحن أمام دانيال التي نعرف ونحبّ، من خلال عمل متقن ومكتمل: مقاربتها للجنس كلغة تمرّد وانعتاق وتحقيق للذات، وتصويرها للرغبة والشبق و«رائحة الجنس» (عنوان فيلم مميّز لها 2008). مقاربتها لذاكرة الحرب المسخنة التي تعود في أفلامها باستمرار وبأشكال مختلفة. طرحها لإشكاليات الثقافة ووعي الذات (الأنثويّة غالباً)، الهويّة والآخر. الآخر هنا هو فرنسا: تسلّط المخرجة الضوء على وجهها التقدمي الأممي العقلاني، فرنسا المولعة باللغة والفكر والجدل والنقد. من خلال أستاذة الجماليات ومحامي المهاجرين والشباب الثوري (نفسه الذي يقف هذه الأيّام في ساحة La République احتجاجاً على السياسة الليبراليّة لحكومة هولاند). فرنسا ليست فقط «أمّنا الحنون» (!) بالمعنى الاستعماري البائس الذي تلوكه الرجعيّة اللبنانيّة، بل فضاء التحرر، الإرث التنويري، النهضوي الذي يتجلّى على امتداد «باريسيّة» في إحالات مختلفة إلى القيم الجمهوريّة ونظريّات الأدب وعلم الجمال، إلى غي دوبور وجان جينيه وماريفو، إلى جيل الروك LES Négresses Vertes… إلى اليسار الأخلاقي في مواجهة صعود اليمين النازي.
بنَت عربيد أحداث فيلمها في باريس التسعينيات حين كانت الآمال ممكنة. هنا تأتي هذه اللبنانيّة الشابة، لتعيش معموديّة «المواطنة» في السوربون، لتصارع، لتنتزع حقّها في أن تصبح باريسية ــ أي إنسانة حرّة، ومواطنة من العالم ـــ رغم كل العوائق. ينتابنا الحنين في الفيلم، إلى تلك المرحلة: حتّى إلى شارل باسكوا. كان كل شيء أجمل من هذه الميوعة الاشتراكية التي تبدو سياساتها، في زمن «الإسلاموفوبيا»، أسوأ من ممارسات وزير الداخليّة اليميني المتشدد (الراحل). نعيش الأحداث ونراها بعيني تلك الصبيّة اللبنانيّة الهاربة من وصاية الجماعة، من العنف الذكوري والسياسي، بحثاً عن ذاتها. «باريسيّة» فيلم فرنسي، بعيون لبنانيّة. إنّه قصتنا الحميمة، نحن الذين هربنا إليها من قيود اجتماعيّة وعنف أهلي وبنى تقليديّة قاتلة. مثل لينا بطلة عربيد، اتخذنا من باريس ملاذاً، وبحثنا فيها عن ذواتنا الضائعة، ومثُلنا وأحلامنا الوجوديّة والسياسيّة. وصرنا ما نحن عليه الآن! كأنّ دانيال عربيد تصوّر لـ «تتملّك» حصّتها من فرنسا، وتذكّر فرنسا بوجهها الحقيقي، في زمن الردات الليبراليّة، والخوف والانغلاق والتشدد…
خلال أسبوع واحد، استقبلت بيروت أعمال بشار خليفة، وعمر راجح، ودانيال عربيد. يمكننا القول، في هذا الزمن الصعب، إن الثقافة اللبنانيّة تقاوم. الثقافة اللبنانيّة بألف خير!