مع «عنبرة»، تعود المخرجة عليّه الخالدي بالمُشاهد إلى بيروت ما قبل الحرب العالمية الأولى. تجعله يكشف الغطاء عن تلة المصيطبة وساحة البرج، عن صبحيات وعصرونيات البيوت البيروتية الخاصة بالنساء، عن المقاهي التي يحتلّها الرجال، عن حلوى «القضامة» و«الفيشة» و«العربجي» و«الأقمشة السورية» التي كانت تقدم كهدايا للبنات المراهقات. كانت بيروت آنذاك تحت حكم الدولة العثمانية، وكانت عنبرة ابنة أبو علي سلام (سليم سلام)، الوجيه البيروتي، قد تخطت أعوامها العشرة بقليل. حينها، فرضت عليها والدتها وفقاً للأعراف أن ترتدي الخمار أو ما يعرف بـ «الفيشة» آنذاك.
توثق تلك المسرحية للسنوات الثلاثين الأولى من حياة عنبرة سلام الخالدي، الشابة التي تحدّت أعراف مجتمعها وتقاليده، فقابلت حبيبها سراً حين لم يكن أحد يفعل ذلك. هي كانت أول من نادى بأهمية دور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية وحقها في التعليم، وكتبت أول مقالاتها الصحافية في سن السادسة عشر في جريدة «المفيد» البيروتية لصاحبها عبد الغني العريسي. حينها أيضاً، كان الحب يبدأ بالمراسلات ولغة العيون. وهكذا بدأت علاقة الحب الخفية بين عنبرة وعبد الغني العريسي المناضل ضد حكم الأتراك والمناصر لحقوق المرأة. بالتزامن مع تلك الحكايا الداخلية، كانت البلاد في أوج سعيها للتحرر من نير الحكم العثماني وكانت «أول مظاهر الروح الاستقلالية، المؤتمر الذي عقده لفيف من زعماء العرب في باريس عام ١٩١٣». شاركت عنبرة وصديقتاها في هذا المؤتمر عبر إرسال تيليغراف يطالب بمشاركة أكبر للمرأة في المجتمع. كما أسست مع رفيقاتها «جمعية اليقظة العربية» للفتيات المسلمات في بيروت.
بنت كل من عليّه الخالدي (كاتبة «عنبرة») ونورا السقاف (دراماتورجيا) من سيرة النضال تلك مشاهد مسرحية ركزت على التفاصيل اليومية البسيطة المطعمة بحكايا عنبرة المرأة المناضلة التي تبتعد عن المباشرة في الخطاب النضالي: أُدخِل المشاهد إلى ثنايا البيت البيروتي، واطلّع على نسيج العلاقات التي تجمع عنبرة مع صديقاتها ومع أخيها الصغير صائب، ومع أبيها المساند لها دوماً ووالدتها وحبيبها عبد الغني وأخيها محمد. استحضر النص طرفة بعض التقاليد أو الأعراف البيروتية، بالإضافة إلى مقتطفات من نصوص قاسم أمين التي كانت تواظب عنبرة على قراءتها. تتقاطع تلك المشاهد المسرحية مع تجهيز أفلام تصويرية ينقل للمشاهد الحيز العام أو نظرة المجتمع. بدأ العرض بفيلم نستشف من خلاله أنفاس عنبرة خلف النقاب. لا يتعدى الفيلم الدقيقتين، يجمع بين تسجيلات صوتية مولفة لنساء يدخلن بيت أم علي أثناء أحد اللقاءات ويبحثن عن عنبرة وبين صور close ups لبعض تفاصيل البيت، بالإضافة إلى الأشغال المنزلية حيث يتم التحضير للعصرونية أو الصبحية. تذكرنا بعض لقطات الفيلم الأول قليلاً بأعمال فيلليني حيث تترافق المشاهد اليومية مع فانتازيا الحلم الذي سرعان ما يتكثف ليتحول إلى كابوس. عند انتهاء الفيلم، نرى عنبرة خلف الشاشة تتحدث عن النقاب.

ينتهي العرض بخلع عنبرة النقاب في محاضرة عامة في الجامعة الأميركية عام ١٩٢٧

لعبت الشاشة على الخشبة في العرض دوراً جوهرياً في نقل الحيز العام من جهة عبر نقل الأفلام التصويرية للمشاهد الحوارية التي تنقل ردات فعل الرجال على التغيرات الحاصلة في تحصيل المرأة لحقوقها، وفي إضفاء جمالية على بعض المشاهد المصيرية من جهة أخرى: على الشاشة ذاتها التي تنقل لنا تسجيلات الأفلام (موريال أبو الروس)، يتم نقل أو تصوير مباشر (أو إيحاء به) من زاويتين متعددتين لمشهد اللقاء الأول الذي جمع عبد الغني بعنبرة، أو مشهد اللقاء الأخير حيث فصلت الشاشة إلى ثلاثة أقسام ظهر في فراغاتها كل من الشخصيتين المذكورتين على الخشبة تحاصرهما عينا كل منهما على الشاشة. لم يكن هذا التوظيف للشاشة جمالياً بحتاً، بل أضفى بعداً دلالياً انفعالياً يتخطى المشهدين المذكورين أعلاه ويعتمد الاختزال في الكلام والتكثيف عبر الصورة التي تنقلها الشاشة.
كما كان أداء كل الممثلين متقناً نسبياً، واتسمّ بفطرية في نقل انفعال اللحظة الآنية رغم تفاوت بعض الممثلين في إتقان اللهجة البيروتية. عرفت أم علي (فاديه التنير) والدة عنبرة كيف تذيّل صمتها بمواقف جدية وضاحكة في آن، وفرض عبد الرحيم العوجي، الذي اعتاده المشاهد ممثلاً كوميدياً، حضوره في أدائه لدور والد عنبرة. كشف العرض مواهب شابة يشهد لأدائها كنزهة حرب التي لعبت دور عنبرة وسارة زين (بشرى)، ودانا ضيا، وعمر الجباعي، وزياد شكرون، والناشئ هاني الهندي الذي لعب دور صائب الذي لم يكمل صفه التاسع بعد في مدرسة الجالية الأميركية في بيروت.
يبقى القول إنّ العرض تخللته بعض الثغرات: في لحظات كثيرة، بدا إيقاع العرض متفلتاً، واحتاجت بعض النقلات من مشهد إلى آخر إلى تمتين، بخاصة تلك التي اعتمدت بعض المقاطع الموسيقية بحيث بدا الاستخدام الموسيقي في هذا المشهد أو ذاك تفسيرياً يتم «تطفِئتُه» بسرعة ولا يضيف دلالة جديدة أو بعداً جمالياً على مضمون المشهد بذاته. مع ذلك، سيستمتع المشاهد بحكاية عنبرة وبحسن الأداء والمشهدية.
ينتهي العرض بخلع عنبرة النقاب في محاضرة عامة في الجامعة الأميركية عام ١٩٢٧ حيث كان عنوان المحاضرة «شرقية في انكلتره». يبقى السؤال: لماذا بخلت علينا عليّه الخالدي، التي أولت جهداً بحثياً في نبش حياة جدتها، بالمزيد من حكايا عنبرة الزوجة والأم والناشطة فكرياً التي عاشت في فلسطين حتى النكبة؟ سؤالٌ لا يفسد من ودّ العرض.

* «عنبرة» لعليّه الخالدي: من 20 حتى 24 نيسان (أبريل) ومن 4 حتى 8 ومن 11 حتى 15 أيار (مايو) ـــ «مسرح بابل» ــ للاستعلام: 01/744033