تقطن فكرة «الديكتاتور» في عالمنا العربي في كل سكناته. الديكتاتور المخلّد الجالس على كرسيه الرئاسي/ القيادي خالد إلى الأبد. وليست صور «القادة» المرصوفة على جدران كثيرٍ من الشوارع كما المنازل إلا دليلاً تأكيدياً على ذلك. حاول عصام محفوظ أن يقدّم «الديكتاتور» (أو حسبما سمّاه أوّل ما كتب المسرحية «الجنرال»، إلا أنه أجبر آنذاك على تغيير اسم المسرحية إلى «الديكتاتور») كما رآه في الستينيات (تحديداً 1968)؛ إلا أنَّ الصورة لا تزال هي ذاتها اليوم. لا ريب في أنَّ إعادة الشخصية/ المسرحية ذاتها اليوم ليست فعلاً خارجاً عن «السياق» أو «النص»، فالأحداث هي هي، والديكتاتوريات هي ذاتها، وإن تلوّنت بأثواب مختلفة كثيرة. تجهد أستاذة المسرح في الجامعة الأميركية في بيروت، وإحدى أنشط الفنانات المسرحيات اللبنانيات سحر عسّاف في تقديم مسرحية عصام محفوظ وتحت مسمّاها الحقيقي هذه المرة «الجنرال». وعلى عادتها، فهي لا تخرج أعمالها فحسب، بل إنّها «تمثّل» وتساعد في التأليف/الكتابة (في بعض فواصل المسرحية وإن كانت قليلة).

أعادت سحر عساف تقديم العمل على «مسرح مونو»

بديكورٍ بسيطٍ، عبارة عن طاولة وكرسيين في «مسرح مونو»، بدأت المسرحية المحمّلة بالكثير من الاستعارات والتشبيهات المأخوذة من الواقع المعاش. أبدلت عساف جنس أحد بطلي المسرحية ببطلةٍ أنثى، ولم تكتفِ بذلك، بل خلطت المعقول/المباشر باللامعقول أثناء نقاشات الشخصيتين. على المسرح، ليس هناك سوى سحر ورافي فغالي، هو يؤدي دور الجنرال/ الديكتاتور وهي تؤدي دور خادمه سعدون الذي يتقمّص كل شيء لتحقيق سعادة «سيّده». إنها العلاقة الأزلية بين «الفرعون» وبين «عبيده»، تبدأ من العلاقة الحميمة مع "البسطار" /الحذاء/ البوط العسكري" وصولاً إلى تنفيذ أمر «إعدام» الذات جراء أمرٍ لا يعرف الخادم/ العبد معناه أو حتّى مقتضاه. لا يعرف المشاهد ما إذا انتصرت تلك الثورة التي يطالب بها الجنرال. هل فعلاً إذا انتصرت، يكون الشعب قد انتصر؟ أم أنَّ هذا الديكتاتور/الجنرال ليس سوى واجهةٍ للكثيرٍ من أمراضٍ تسري في المجتمعات العربية منذ الستينيات حتى يومنا؟ ماذا عن تمجيد «المتخيل» حيث يصبح «القائد الخالد» جزءاً من الذاكرة، وتمحى كل خطاياه فقط لأنّه قتل برصاص أعدائه؟
تقنياً تبذل عسّاف جهداً كبيراً في تقديم شخصية «سعدون»، فتعطيه سبغة من انسانيةٍ وبراءة في كثيرٍ من الأحيان. براءةٍ تفرضها المسرحية، فأمام شخصيةٍ «كاسرة» كالجنرال، لا بد من أن يكون «الشخص» المقابل ضعيفاً منكسراً، حتى في أقوى لحظاته، يجب أن يظل «أقل» من الجنرال، لأنه في اللحظة التي يتنبه الجنرال أنَّ خادمه قد «كبر» أكثر من حجمه سيقتله. أكثر من هذا، تعطي عسّاف مساحةً واسعة للفكاهة، فتقدّم سعدون الحائر بين أنوثته وذكوريته في لعبٍ مدهشٍ على الفكرتين: الأنثى الأم والحب والوطن، والذكورة المتمثلة في الإخلاص والطاعة والانصياع. بدوره، بذل رافي فغالي جهداً في رسم شخصية «الديكتاتور» الحقيقية، وإن يمكن ملاحظة أنه كان «يشت» في بعض الأحيان (وإن مراتٍ قليلة) عن "الكاراكتير"/الشخصية المرسومة. ولربما كان السبب طبيعة النص «الصعبة» أو حتى تعقيد الشخصية النفسي. لكن في الإجمال، يمكن القول بأنّه بذل جهداً طيباً وناجحاً في آنٍ. إخراجياً؛ بدا العمل انسيابياً من دون أخطاءٍ ظاهرة للعيان، فطبيعة المسرح القريب من فكرة المسرح التشاركي القديم أعطته بعداً «حميمياً» (لا خشبة والناس يحيطون بالممثلين كما في مسارح ما قبل العصور الوسطى). من جهةٍ أخرى، عملت عساف على تقريب البطلين من الجمهور، فأكثرت من أحاديثهما ذات الطابع النوستالجي، وسمحت لهما بأن يتبادلا أدوارهما في لحظةٍ ما. هذا ما أعطى المسرحية دفعةً مهمةً إلى الأمام. إشكالياً تواجه المسرحية بعض نقاط يمكن أن تخاض كسؤال: موسيقياً لم يكن هناك أي موسيقى تصويرية تقريباً، فلماذا لم تتم «صناعة» موسيقى كان ممكناً أن تثري العمل بشكلٍ كبير؟ أضف إلى ذلك أنّ «لعبة» الإضاءة كانت «متأرجحة» بعض الشيء. أمرٌ أرجعته عساف إلى «السرعة في التحضير لدى استعمالنا هذا المسرح (أي «مسرح مونو»)، فلم يكن لدينا الوقت الكافي لتنفيذ ما فكرنا به لناحية الإضاءة».
مسرحياً؛ تبدو «الجنرال» مسرحيةً ممتازةً لكل العصور، خصوصاً في بلاد الشرق، ذلك أننا نجيد دائماً خلق «ديكتاتوريينا»، وتحويلهم لاحقاً إلى أيقوناتٍ لا نهاية لها.