ندخل العام الجديد بكثير من القلق على حريّة التعبير في لبنان. السياسات الرسميّة اعتباطيّة، تشجّع الحصار المفروض على الفنون الحيّة، من سينما وفيديو ومسرح خصوصاً. والسلطة تطالعنا اليوم بخطاب مزدوج؛ فخلف ادعاءات الليبراليّة التي تبدو مجرّد مزايدة سياسيّة، يختبئ سلوك قمعي ومحافظ لا يقول اسمه، يسعى إلى تدجين الثقافة دفاعاً عن البنى السائدة. حين انصاع تلفزيون «الجديد» لغضب مجموعة مواطنين هددوا وتوعدوا وطالبوا بعدم عرض فيلم رندا الشهّال «طيّارة من ورق»، لم تتحرّك دولة القانون والمؤسسات. وعندما أوقف مسلسل «السيّد المسيح» على «المنار»، احتفل وزراء معروفون بنقدهم الرقابة الحاليّة، بخطوة عدّوها «وأداً للفتنة»!

لكنّ الخطر الحقيقي على حريّة التفكير والإبداع، نابع من تقاعس المبدعين والمثقّفين أنفسهم، والمشتغلين بالشأن الثقافي تنظيماً وإنتاجاً وبرمجة وتسويقاً وإعلاماً. فهؤلاء اليوم، مع استثناءات نادرة، في حالة غياب، يبدون عاجزين عن مخاطبة الرأي العام، وعن تكوين قوّة ضغط وتدخّل واحتجاج. بل يبدون منقسمين معظم الأحيان، تبعاً لعصبيّات ومصالح وارتهانات مختلفة. «كلّ لنفسه» يدافع عن مجموعة مصالح وامتيازات، ويسعى إلى مكاسب ونجاحات فرديّة، على حساب الشأن العام، والمعركة المشتركة دفاعاً عن مساحة مدنيّة مشتركة من دونها لا وجود لأحد.
هكذا وظّفت الاحتجاجات في الصراع السياسي الداخلي، عندما بادر الأمن العام إلى منع «مهذّب» لعرض فيلم هناء مخملباف «الأيام الخضر» في «مهرجان بيروت الدولي للأفلام»، بسبب زيارة الرئيس الإيراني للبنان. لكنّنا لم نسمع صوتاً واحداً يستنكر تقنيات ابتزاز الرأي العام ومؤسسات الدولة، لمنع عرض مسلسل «السيّد المسيح». ومنع فيلم ديغول عيد «شو صار؟» في ثلاثة مهرجانات متتالية في بيروت، من دون أن يجرؤ أي من الفضاءات والمؤسسات الثقافيّة المستقلّة، طوال أسابيع، على عرضه تحت بند العصيان المدني... لولا مبادرة الثنائي لقمان سليم/ مونيكا بورغمان في «مركز أمم» التي جاءت من قبيل المصادفة بعد تأليف لجنة بيروقراطيّة يفترض بها أن تحمل إلينا الحلّ السحري.
«لجنة مراقبة أشرطة الأفلام المعدّة للعرض» التي ألفها رئيس الحكومة اللبنانية أواخر تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، يلحظها القانون أساساً. أي إن الرئيس سعد الحريري لم يكتشف البارود، بل قرر التحرك بعد طول تقاعس، لترميم الوضع سطحياً. تلك الخطوة تختصر ببلاغة معبّرة، السياسة الرسميّة في مجال الرقابة وحريّة التعبير. سياسة تواصل، بمعزل عن الأشخاص، ذرّ الرماد في العيون.
هل لجنة المراقبة ستضع حداً للمارسات الاعتباطية التي قام ها جهاز الأمن العام طوال السنوات الماضية؟ علماً بأن تلك الممارسات التي تغطيها عادة السلطات الإقطاعيّة والمذهبيّة القائمة، كانت على حافة القانون. فالذي يجيز أو يمنع في القانون الحالي هو وزير الداخلية، وهو يفعل استناداً إلى طلب من جهاز الأمن العام، وإلى اقتراحات وتقارير وآراء ترفعها لجنة المشاهدة الاستشارية التي كانت غائبة. لكن، في الواقع، كثيراً ما بدا وزراء الداخليّة والإعلام والثقافة عاجزين عن «كسر كلمة» المدير العام للأمن العام! يؤسفنا في هذا السياق، أن أياً من السينمائيين الذين كانوا ضحيّة المنع أو الرقابة في السنوات الأخيرة، لم يقاض الأمن العام على قراراته. وهذا يعيدنا إلى مسألة تقاعس المبدعين والناشطين الثقافيين، في كثير من الأحيان، وحيادهم السلبي، وتحاشيهم الخوض في أي مواجهة قد تعرّض امتيازاتهم للخطر.
من السذاجة إذاً الاعتقاد أن «لجنة مراقبة الأفلام المعدة للعرض» خطوة في طريق رفع استبداد الرقابة، ومنح المبدعين (في مجال الصورة، والفيديو والسينما) ضمانات لحماية حرية التعبير. فالعكس تماماً هو ما يجري، إذ يُخشى الآن، مع إحياء اللجنة العتيدة، أن تزداد العراقيل البيروقراطية والسياسية والإيديولوجية بوجه السينمائيين، ومنظمي النشاطات الفنية والأحداث الثقافية والعروض المختلفة. في السابق، كان هؤلاء يجدون أنفسهم في مواجهة ضابط في الأمن العام ــــ تراوح مستويات انفتاحه ووعيه وثقافته من شخص لآخر ــــ قد يسهّل الأمور، أو يسمح لنفسه بمناقشة الخطاب الفكري والرؤية الجماليّة لهذا العمل أو ذاك، ويتكرم على أصحابه بعظة أخلاقيّة/ وطنيّة في عدم «صلاحيته لمجتمعنا وقيمنا»، أو في «تهديده السلم الأهلي»، أو «خدشه مشاعر فئة أو مجموعة من اللبنانيين»، أو «إساءته إلى القيم الدينية»، وما إلى هنالك من بدع قمعية، وشعوذات لا يقبلها منطق في القرن الحادي والعشرين.
من الآن فصاعداً، سيكون الوضع أكثر عبثية؛ إذ إن المبدع الذي يتسول تأشيرة لعرض فيلمه في لبنان، سيجد نفسه في مواجهة لجنة غامضة لا يستطيع «مفاوضتها». في حين أننا لا نعرف شيئاً عن معايير تلك اللجنة المنوط بها «إبداء الرأي في شأن إجازة عرض الفيلم أو رفضه». نحن أمام لجنة كفكاوية نجهل منطلقاتها وخلفياتها في «مراقبة» الأعمال السمعيّة ـــــ البصريّة. لجنة خاضعة في النهاية لقرارات السلطة القائمة وحساباتها الضيّقة، تضم موظفين من 5 وزارات (الإعلام، السياحة، الخارجية والمغتربين، التربية والتعليم العالي، الاقتصاد والتجارة)، وجهاز عسكري (الأمن العام). هؤلاء الأعضاء من يعيّنهم؟ وعلى أيّة أسس فكريّة وتقنيّة، يكون هذا التعيين؟
التحفّظ على آليات تكوين اللجنة، وطرح التساؤلات عن المؤهلات التي تخوّل أفرادها بتّ مواضيع حسّاسة تطاول حريّة التعبير، ليس تقليلاً من أهميّة الأشخاص، اليوم أو غداً، بل تشكيك في منطق سياسي عام. إلى أي مدى يمكن هذه اللجنة أن تبقى بمنأى عن ضغوط السلطة المهيمنة ومصالحها وقيمها السائدة؟ أخيراً، أين تقف لجنة المراقبة المنبعثة، وقد أعطي لها ـــــ لأسباب غامضة ـــــ أن تتحكّم في الحياة الثقافية اللبنانية، من إنجازات الديموقراطيّات الكبرى في مجال الرقابة وحريّة التعبير؟ ما مدى تطلّعها إلى تطوير الواقع الحالي، واستيحائها الأعراف والتقاليد المعتمدة، والأطر القانونيّة المرعيّة الإجراء في الأنظمة والمجتمعات المتطوّرة؟
«أول الغيث» بعد تأليف اللجنة، كان «السماح» بعرض بعض الأفلام التي حجر عليها الأمن العام في السابق، لكن فقط في الأطر الثقافيّة والأكاديميّة: أي إنّ الحجْر ما زال قائماً، والرقابة مستمرّة بأشكال أكثر خبثاً وتعقيداً. هل نذكّر بأن هدف الفيلم ـــــ وحقّه ـــــ شأنه في ذلك شأن أي عمل إبداعي، هو مخاطبة الرأي العام والمجتمع المدني، والوصول إلى أوسع دائرة ممكنة من المشاهدين والمتلقّين؟
مع اللجنة الكافكاويّة الجديدة، يُخشى أن يترحّم بعضنا على «سلبطة» الأمن العام... فيما المطلوب في لبنان، إعادة نظر جذريّة بقوانين الرقابة التي تعود إلى زمن ما قبل الطوفان!



تقرير عن الرقابة

مشاكل حريّة التعبير التي يعانيها المبدعون في مجال السينما والمسرح تحديداً، يتطرّق إليها بطريقة منهجيّة وموثّقة، تقرير عن الرقابة في لبنان وآفاق تغيير قوانينها (من دون تناسي قانون المطبوعات). هذ التقرير أعدّه الحقوقيّان نزار صاغيّة ونائلة جعجع، ويصدر قريباً، عن مجموعة مؤسسات مستقلّة مثل «السبيل»، و«أشكال ألوان» و«بيروت دي سي» و«أمم» و«دوّار الشمس» والـ BAC... بدعم من مؤسسة «هينريش بُل» و«معهد غوته» في بيروت.