في شقّتها الصغيرة، في الضاحية النيويوركية حيث ارتحلت تاركة خلفها كل شيء، تخشى هند أن تموت في الليل، فيستيقظ الطفل في الصباح، يفرك عينيه، ويهزّ جسدها فلا تصحو ولا تتحرك. لهذا، «كتبت على الحوائط أسماء أناس تعرفهم، أو لا تعرفهم جيداً. إميليا، سعيد، فاطيما، ثم وضعت جواز سفره على الطاولة، الآن بإمكان أي شخص أن يجده، ويرسل بطفلها إلى أبيه، بإمكانه أن يحمل جواز سفره، ويعود تاركاً جسدها لصاحب البيت والشرطة، أو وكالة إيواء اللاجئين، كي يلقوا به في أية مقبرة». «بروكلين هايتس» هو الكتاب الخامس للمصرية ميرال الطحاوي، بعد ثلاث روايات ومجموعة قصصية.


تفتح الرواية مجدداً باب الحديث عن الكتابة النسوية. فشروط الرواية بوصفها فناً درامياً لا تتحقق هنا بالشكل المتعارف عليه. لسنا بصدد حبكة تؤجج صراعاً أو عقدة بانتظار الحل. السرد هنا انفتاح أنثوي على ذكريات بطلة الرواية.
تصل هند المصرية إلى نيويورك، مستفيدة من تأشيرة هي كل ما بقي لها من زوجها بعد انفصام علاقتهما. تسكن في ضاحية بروكلين القديمة، حيث نستعرض معها ذكرياتها المصرية عن حفنة متنوعة من نساء الطفولة، لا يخترقهن سوى الأب والزوج، في سياق متواز مع نماذج كوسموبوليتانية ـــــ نسائية أيضاً في معظمها ـــــ تلتقيها في نيويورك. في المدينة الأميركية تحوّلت هند إلى عاملة نظافة بسيطة في أحد المطاعم، في سبيل الحصول على إقامة دائمة، وبلد جديد ينشأ فيه ابنها. يتحوّل الابن كل يوم إلى طفل أميركي، يتمسك بها لأنها أمه ولأنه لا يعرف غيرها. لكنه يكتشف كل يوم كم هي بائسة، مترهّلة مهزومة، ولا تتمتع بأي قدر من
الجمال.
قد تكون حوارات الطفل وأمه باللغة الهجينة، أبرز ما في الرواية، فالأحداث هنا لا تتصادم بل تشبه لوحة عرض لشخصيات من الحياة، تقترب وتبتعد عن الشخصية الساردة. مرةً واحدة اقترب منها شخص أكثر من اللزوم، هو جارها تشارلي، مدرب الرقص الستيني الممشوق... لكن هند التي تركت زوجها بعد خياناته المتعاقبة تبدو مصممة على التعاسة «لا تريد أن يذكّرها أحد بممكنات لم تجدها في الحياة (...) تريد أن تشعر بتعاسة، أن تكون وحيدة ومهملة، وبلا
قيمة».
الابن الصغير ومدرب الرقص، هما فقط من يمنحان «بروكلين هايتس» بُعداً «درامياً». ما هو غير ذلك موازييك من شخصيات الطفولة الريفية، في عالم حريمي مستسلم لسطوة ذكورية كاملة. على الضفة الأخرى، نلتقي «حريماً» من جنسيات أخرى، الصومالية فاطيما التي تحلم بأن تكون ناعومي كامبل أخرى، والروسية العجوز إميليا التي انتهت إلى جمع الأحذية المستعملة وبيعها... عالم نسائي متنوع لكنه يتمحور دائماً حول الجسد المقهور، المسلّع، المحبط، وامرأة حلمت دائماً بدور البطولة، لكن حياتها، وجسدها لم يمنحاها سوى الأدوار المساعدة.