تونس| هل هناك أغرب من أن يُنهي صحافي عامه بين أيدي أفراد من الشرطة يفتشونه كاللص من رأسه حتى أخمص قدميه، بحثاً عمّا قد يضر بـ «الأمن العام»؟ التجربة التي عاشها كاتب هذه السطور، أبلغ تعبير عن راهن الإعلام التونسي الرازح، منذ ربع قرن، تحت نير قمع بوليسي، يكاد يكون كلمة السرّ التي تختصر «ديموقراطيّة» النظام الحالي.


أحداث اجتماعية هزّت كيان السلطة التونسية منذ ثلاثة أسابيع، وقد برهنت على أن سياسة العصا الغليظة لا تلجم الأفواه، بقدر ما تفرز غاضبين جدداً ينضمون إلى احتياطي سابق تراكَمَ في ظل حكم قائم على عبادة الشخص، وفساد السلطة، وتجويع الناس. هل باتت جريمة، في نظر القانون التونسي، أن يقوم صحافي بدوره في رصد الأحداث، ونقل مجريات الأمور؟ كأنّ النظام التونسي، في لحظة تشنّج وتعنّت، يرفض أن يرى... أن يفهم أن ممارساته القمعيّة هي وقود انتفاضة محافظة سيدي بوزيد وغيرها من المدن التونسيّة التي أعلنت العصيان؟
حاولت أن أتخيّل ماذا يدور في خلد الشرطيَّين اللذين أوقفاني، يوم الخميس الماضي وصادرا بطاقة هويتي وآلة التسجيل، في خطوة تُعدّ خرقاً سافراً للقانون. هل كانا مقتنعين بأن الرجل الذي يعرّضانه للإذلال ويعيقان تحركاته مجرم حقاً، وخارج على القانون؟ أم أنهما تحوّلا إلى مرتزقة يمارسون البلطجة تحت عباءة القانون؟ «جريمتي» هي القيام بواجبي في تغطية تحرك احتجاجي نظّمه نشطاء مدنيون تجرأوا على كسر المحظور، وحاولوا التظاهر في الشارع. ربما اعتقد الشرطيّان أن نقل هذا الحدث يُعدّ مساساً بهيبة الدولة. نحن نعيش في نظام «حديدي»، يعتبر المعلومة التي تنشر أكثر خطورةً من السلع التي تهرّبها مصلحة الجمارك لصالح بعض «الأثرياء الجدد». لكن ألم ينتبه هذان الشرطيان إلى أهم عقيدة أمنية يُفترض أن يكونا قد تلقّياها في بدايات تكوينهما وتدريبهما، وهي أنّ «اللي يسرق يغلب اللي يحاحي»؟ (مَثَل باللهجة التونسية يعني أنّه مهما حاولت فرض حالة المراقبة، فإنّ السارق بإمكانه الإفلات).
في عصر الثورة المعلوماتية والفضائيات ووسائل التواصل العابرة للقارات، هناك في تونس من توقّف وعيه عند أزمنة شموليّة، إلا أنّ خطاب السلطة الذي لا يرى في الإعلام سوى بوق دعاية، لم يعد مقنعاً حتى لأصحاب تلك السلطة والمستفيدين منها والمحسوبين عليها. تعجّ تونس بالصحافيين المستقلين الذين يبدأون يومهم بإلقاء تحيّة «مقلقة» على رجل الأمن، فيما يبحث الأخير عن عملاء يعودون إليه بتقرير «ثمين» يرفع من حظوظه في ترقية تقرّبه إلى القطاط السمان.
أحد الصحافيين التونسيين رفع أخيراً دعوى قضائية ضد وزيرة المرأة للمطالبة بإقالتها بعدما مثّلت في إحدى الندوات رئيسة «منظمة المرأة العربية» وكذلك زوجة رئيس الدولة ليلى الطرابلسي... علماً أن الأخيرة لا تتمتّع بأي صفة رسميّة أو صلاحيات دستورية. هكذا أصبحت الدولة ومؤسساتها لعبة في يد طغمة تسرق مواردها وتتحكم في مصير العباد. في السنوات الأخيرة باتت بنية الدولة تشبه تركيبة المافيا الإيطاليّة. دولة المؤسسات صارت دولة العصابات... هنا، لا صوت يعلو فوق صوت البلطجة والقمع على أنواعه. لكنّ رجال العصابات ينقلبون غالباً، بعضهم على البعض الآخر، إذ تستبد بهم الشراهة، أو يستشعرون الخطر الداهم. جاء الوقت كي يفهم بينوشيه شمال أفريقيا أنّه لم يعد يستطيع أن يُغرق تونس في مستنقع الصمت.