ينتمي إلى جيل الأحلام المجهضة. يعيد اليوم قراءة تجربة اليسار اللبناني، مستعيداً مرحلة السبعينيّات والثمانينيّات، حين كان متطوّعاً في لجان العمل الطلابي في «منظّمة العمل الشيوعي». يتمنّى لو أنّه انضمّ إلى صفوف المقاومة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. أغنيته الشهيرة «أناديكم» (من كلمات توفيق زياد)، تركت بصمة في سجلّ الأغنية الملتزمة.


أغنياته لا تزال تتمتّع بحضور شعبي، مع أنّها لم تعد قادرة على مخاطبة الشارع وتحريكه. رغم ظروف الإنتاج المتقشّفة، يستكمل رحلته الفنّية بحماسة. يمازحك بلكنة بيروتية، ويضحك ساخراً من القدر. الحفلة التي قدّمها أخيراً في «جامعة بيروت العربية»، أعادتنا بالذاكرة إلى بداياته الفنّية، ومرحلة النهوض الوطني التي كان يمكن أن تُحدث تغييراً في الواقع السياسي العربي «لولا تآمر زعماء الطوائف في لبنان مع الأنظمة العربية المتخاذلة».
بعد الحفلة، تبدو جعبة قعبور محمّلة بمشاريع جديدة. بعدما أحيا التراث الشعبي البيروتي في استعادة أغنيات عمر الزعنّي، ها هو اليوم يعيد إحياء أغنياته الأولى، ويحلم بالوقوف من جديد على خشبة المسرح. يخبرنا أنّه يستعدّ «لتقديم عمل مسرحي وغنائي يجمع بين التمثيل وفنّ الإيماء والموسيقى والغناء والرقص، بمشاركة كريم دكروب وعايدة صبرا».
قد تظنّ للحظة أنّ الرجل الخمسينيّ نسي أن يكبر. هكذا هو أحمد قعبور، فنّان مرهف يحمل في داخله روح طفل مشاغب. ترى هل خذلته حركات التحرّر الوطني، أم أنّه قرّر العبور إلى الواقع في نهاية زمن الأحلام الكبرى؟ قعبور لا يزال يعدّ نفسه يساريّاً، ويدافع بشراسة عن مشروع التغيير الديموقراطي في لبنان: «أريد أن أغنّي للناس لأنّني واحد منهم»، يقول مردّداً أغنيته «بدّي غنّي للناس» المقتبسة عن أغنية Chanter Pour Ceux لميشال برجيه.
أغنية «البلد ماشي» التي عُرضت على شكل فيديو كليب على شاشة «المستقبل» في منتصف التسعينيّات، أثارت ضجّة كبيرة، ولعلّها أثّرت سلباً في علاقة أحمد بجمهوره. الوطن المعلّق الذي تغنّى به، كان (ولا يزال) يعاني أزمة اقتصادية خانقة. لذلك، عُدّت هذه الأغنية بمثابة تبرير للنهج الاقتصادي في عهد حكومة رفيق الحريري. لكنّ قعبور يؤكّد أنّه لم يهادن في الدفاع عن قضايا الفقراء... في حفلته الأخيرة إذاً، قدّم صاحب «حبّ» و«يا ليمون» و«لو»، مجموعة من أغنياته القديمة والجديدة، بمرافقة مازن سبليني (كيبورد)، وإيمان حمصي (قانون)، وعلي الخطيب (رقّ)، والكورس. «يا رايح صوب بلادي»، و«يا نبض الضفّة»، و«حقّ العودة»، أثارت حماسة الجمهور البيروتي. أمّا «يوماً ما» التي ختمها أحمد بالنشيد الوطني الفلسطيني، فمثّلت صرخة احتجاج ضدّ الانقسام والاقتتال الفلسطيني. الفرقة التي غاب عنها العود، والكمان، والتشيللو، والباص، والفلوت... لم تَفِ بعض أغنياته حقّها، وخصوصاً الجديدة منها («تْنَين تْنَين» و«أهل الكلام» مثلاً).
يتعمّد قعبور الإضاءة على محطّة تاريخية بطولية في مواجهة العدوّ الإسرائيلي لأنّه يخشى «أن يُصاب الشعب اللبناني بمرض فقدان الذاكرة». ومع أنّه يرفض العزف على وتر الحنين، ها هو يقع من حيث لا يدري في فخّ النوستالجيا. أغنياته تستحقّ الاهتمام لاعتبارات فنّية تتجاوز شهرتها السياسية. هو يحرص على اختيار نصوص تعبّر عن هموم الناس، وتوثّق أحداثاً وتحوّلات («واللّه وطلّعناهن برّا» مثلاً). لحّن الشعر العامّي والحديث، وتجلّى في «ولهذا أستقيل ـــــ عنوان بيتي» (لمحمود درويش)، و«نحنا الناس» (لمحمّد العبد الله)، و«قانا» (لطلال حيدر)، و«صبح الصباح» (لعبيدو باشا)، و«أمّي» (لزاهي وهبي)...
في الأغاني التي تحمل توقيعه لحناً وكلاماً، يستخدم قعبور لغة بسيطة، وشفّافة، وواقعية، من دون أن يتمرّد على الأوزان والقوافي («وينك يا حرّية» و«علّوا البيارق» مثلاً). تأثّره بروّاد «أغنية النصّ» الفرنسية (ليو فيرّي، وجاك بريل...)، دفعه إلى الانفلات من أطر التعبير التقليدية، وكسر القوالب الغنائية العربية الكلاسيكية. لكن رغم ذلك، بقي متمسّكاً بالإيقاعات الشرقية (إيقاع «السماعي»، و«الوحدة»، و«لفّ»، و«بلدي»، و«هجع»، و«أيّوب»...)، والمقامات العربية. من المستغرب أن تقبع بعض أعماله في الظلّ، خصوصاً في مجال الموسيقى الصرفة. الموسيقى التي وضعها لمسرح الطفل مثلاً («كلّو من الزيبق» لفائق حميصي، و«شو صار بكفر منخار» لكريم دكروب، و«يللا ينام مرجان»، و«شو حلو يا قمر» لـ«مسرح الدمى اللبناني»...)، تعكس رؤية فنّية مغايرة.
قعبور، أحد روّاد الأغنية الملتزمة التجديدية، لا يحبّ أن يعدّه بعضهم بطلاً أو ضحية. كان ضروريّاً أن يزوّد أغنياته بآفاق أخرى، ويواكب التغيّرات التي لحقت بالموسيقى العربية المعاصرة. أغنياته وألحانه الأخيرة تتفاوت في تماسك مسارها. بعضها يفيض جزالة وحيوية، فيما يبدو بعضها الآخر أقلّ نجاحاً. لكنّه يبقى ميّالاً إلى الموسيقى الشعبية، في وقت ذهب فيه معظم مجايليه إلى التأليف الأوركسترالي. لا يخفي ميله إلى الكتابة الأوركسترالية (مقطوعة «معركة» ـــــ 2009 مثلاً)، لكنّه يرى أنّ بإمكانه أن يؤلّف موسيقى «نظيفة»، ويؤدّي أغنيات راقية من دون الاستعانة بالأوركسترا.