أن تلجأ شركة عقارية الى استغلال المرأة المعنّفة بغية التسويق لمشاريعها السكنية، وتوهمنا إليسا في كليبها «يا مرايتي» أنها تناهض العنف الأسري، وفي النهاية نكتشف أن الشريط ليس سوى إعلان لنسخة حديثة من إحدى ماركات الخلوي، وأن يقف إعلامي لبناني معروف في وجه شهادة امرأة تعرّضت للعنف الأسري وينصحها بعدم الحديث عن تجربتها تلفزيونياً، خوفاً من «الفضيحة» وحرصاً على أولادها... كل هذه النماذج ما زالت مستمرة في أيامنا هذه، وما زال تشييء المرأة وتسليعها دراجاً، بل يُعمل على استغلالها أكثر في الميادين الإعلامية والإعلانية.
«نحو صورة متوازنة للنساء في الإعلام» هو دراسة بحثية تطلقها اليوم جمعية Fe-male بالشراكة مع منظمة «أكشن إيد» (مبادرة المنطقة العربية). تأتي هذه الدراسة ضمن مشروع «نحو تغيير صورة النساء في الإعلام والإعلان» الذي ضمّ سلسلة خطوات وحملات إعلانية والكترونية بدأت منذ عام 2012 بحملة «مش بالتسليع منتجك ببيع» وانتقلت الى إنتاج وثائقي (إعداد جاد غصن) حول صورة النساء في الإعلان والإعلام. وها هو يتوَّج اليوم بهذه الدراسة بغية الضغط على الرأي العام وأصحاب القرار في مختلف المؤسسات الإعلامية والإعلانية لوقف تسليع المرأة وتشريع العنف والتمييز ضدها.
الدراسة من إعداد أستاذة الإعلام في الجامعة اللبنانية نهوند القادري بمشاركة عدد من المساعدات الباحثات (سارة النجار، تغريد سميري، جيهان المصري، ملكة خانات). ترصد الدراسة المشهد الإعلامي اليوم من منظوره الاجتماعي، وموقع المرأة في البرامج التلفزيونية والإعلانات والأعمال الفنية. وتفنّد هذا الواقع الإعلامي مرئياً، ومكتوباً، وآلياته وسلوكياته عبر الاستناد الى نماذج راهنة، وتفتح آفاقاً أمام سبل مختلفة للوصول الى سلوك إعلامي مناهض للتمييز الجندري.
ترتكز الدراسة الإعلامية البحثية إلى مجموعة نتائج دراسات سابقة أجرتها القادري في السنوات الماضية والمتعلقة بحضور المرأة في الإعلام والدراما، ومدى حساسية الإعلاميين والإعلاميات للمواضيع الجندرية، ومناهضتهم للتمييز في هذا المجال على أساس النوع الاجتماعي. طبعاً، من الصعب تحقيق نتائج مرضية في هذا المجال لأنّ العمل يقع بشكل خاص على الذهنية، وعلى بنية صلبة يصعب اختراقها، تبدأ بالإمبراطوريات الإعلامية والإعلانية، وبالقوانين البالية، ولا تنتهي بالذهنية المجتمعية التي تمدّ سوطها أيضاً تجاه النساء في بلادنا.
رغم هذا الواقع المرير، الا أن كوة أمل تفتح مع إعلان القادري حدوث تقدم ملحوظ يتمثل في عدد من الصحافيين والصحافيات، أغلبهم يعمل في الصحافة المكتوبة. استطاع هؤلاء أن يبرهنوا حساسية عالية تجاه قضايا النساء ومعالجتها بشكل مختلف وعميق. ومعهم، بدأ الوعي يتكّون ــــ كما تؤكد القادري لـ «الأخبار» ــــ ويؤثر في «عملية الإنتاج» والتغيير اللذين لحظناهما أخيراً في الدفع قدماً لإقرار قوانين تحمي المرأة من العنف الأسري (رغم علله)، وتزيد الوعي في المجتمع حول القضايا المماثلة. ورغم هذا الإنجاز الخجول، الا أنّه سرعان ما يُجهض بفعل البنية القائمة اليوم.

باتت الكاميرا أسيرة مظهر المذيعة ومنحنياتها الجسدية بغية «تشتيت» الموضوع ومعالجته بشكل سطحي

في هذه الدراسة، كانت الحصة الأوفر للبرامج المسماة اجتماعية التي كانت تعرض يوم الاثنين من العام الماضي. تطل القادري على الواقع التلفزيوني بوصف المرحلة التي نعيشها بــ «ما بعد التلفزيون» (Post Television)، حيث تصبح الكاميرا «تخدم نفسها بنفسها»، تشحذ «الدموع، والمشاعر، والأكشن..»، تتكئ على استضافة الناس العاديين، وتهمل النخبة. وبعدما كان الإعلام بالأبيض والأسود، يأخذنا ويأسرنا مباشرة في مضمون ما يحدث اليوم، انقلبت الآية. باتت الكاميرا أسيرة مظهر المذيعة ومنحنياتها الجسدية بغية «تشتيت» الموضوع ومعالجته بشكل دائري سطحي، يعتمد حصراً على المؤثرات. هذه البرامج التي تتنافس على حصد أكبر نسبة مشاهدة، تعتاش أيضاً على الشبكة العنكبوتية وتنهل منها نسب التفاعل على المواد المنشورة لبرامجها. هذه الظاهرة لا ترى فيها القادري، استمراريةً على المدى القصير، لأن هذا المكان «عنيف» بطبيعته ويولّد عنفاً. وتنصح وسائل الإعلام التقليدية بعدم الركون إلى هذه المواقع الافتراضية لبناء معلومة أو برنامج معين، بل بإجراء عمل عميق متخصص للقضايا الاجتماعية. وهذا الأمر قد يكون فرصة الإعلام التقليدي للخروج من أزمته مع وسائل التواصل الاجتماعي.
وضمن الراهن الذي نعيشه، تزداد قضايا النساء، ووجودهن في أماكن الصراع الدموي، فيضطررن لتحمّل عنف مركب كما تشرح القادري: هناك العنف الناجم عن الحرب وتداعياتها، والعنف الذي ينتجه المجتمع والإعلام في ذهنية التعاطي مع المرأة كضحية والعمل أكثر على تهميشها. وبما أننا مجتمع مستهلك في الدرجة الأولى لكل منظوماتنا الإعلامية والتقنية والبنيوية، ولسنا بصنّاعها، تبرز الحاجة أكثر في عملية تحرير الأخبار والتقارير الى أخذ مسافة من المواد الصحافية الغربية، بخاصة تلك التي تقارب أحوال النساء في سوريا أو العراق وغيرهما وتعرضهن لحالات اغتصاب أو سبي، ومضايقات نفسية أخرى. للصحافة الغربية حساباتها الخاصة في هذه القضايا، وتميل الى التركيز على الإثارة من خلال سرد عملية الاغتصاب مثلاً. هذه المواد يستقبلها المحرر/ة العربي أو اللبناني كما هي من دون إدخال أي معالجات إنسانية عميقة عليها. في هذا المجال، تنتقد القادري كل ما يخرج من توصيات في منتديات العربية وعالمية، تخص المرأة لكنّها لا تعمل فعلياً على حمايتها قانونياً.
تسعى أستاذة الإعلام اليوم الى القيام بدراسة إجرائية ينفذها عدد من الصحافيين والصحافيات الرائدين في مجالهم، ليقدموا تجاربهم في مجال التعاطي مع القضايا الجندرية. تذهب القادري في هذا المجال الى أبعد من الشكوى من صورة المرأة في الإعلام والإعلان، نحو عمل وسعي مستمرين لكسر البنية القائمة اليوم بهدف تحسين وضع المرأة وحمايتها من العنف والتمييز.

إطلاق دراسة «نحو صورة متوازنة للنساء في الإعلام»: اليوم عند الساعة 11:00 ـــ فندق «كراون بلازا» (الحمرا) ــ للاستعلام 03/662983