القاهرة| حالما انفجرت كنيسة القديسين في الإسكندرية، بادر كثيرون إلى تصفّح «فايسبوك» قبل الدخول إلى المواقع الإخبارية. لم يعد جديداً القول إن موقع التواصل الاجتماعي أصبح مرآة ـــــ ربما أوضح من اللازم ـــــ للواقع. مرآة يزداد وضوحها في المجتمعات المحرومة من وسائل التعبير ومن حقها في تداول المعلومات. في «تفجير القديسين»، لم يكن «فايسبوك» الوسيلة الأسرع للتواصل الاجتماعي فحسب، بل الخبري أيضاً، سرعان ما حفل بلقطات فيديو شديدة البشاعة لما خلّفه الانفجار الإجرامي. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أن الموقع أبطأ من غيره في إزالة هذه الأشرطة والصور البشعة. مثلاً مقاطع الفيديو على «يوتيوب» متاحة لجميع المتصفّحين، ما يسمح لأي شخص بالاطلاع عليها، والتبليغ عنها لحذفها. لكن على «فايسبوك» يختلف الأمر، بسبب اختلاف دائرة المستخدمين. يتحكّم هؤلاء في الفئات المسموح لها بتشارك المعلومات، إضافة إلى أن الصورة/ الفيديو، هي مجرّد جزء من نشاط «فايسبوك»، عكس «يوتيوب». من زاوية أخرى، يمكن استنتاج أن طلب حذف اللقطات الدموية ليس من «شِيَم» المستخدم العربي، لكن هذه قصة أخرى.

في الوقت نفسه الذي اندلعت فيه النقاشات على «فايسبوك» بشأن الجريمة التي روّعت مصر، كانت «صورة البروفايل» للمستخدمين تتحول إلى ما يشبه لافتة أو هوية تفصح عن موقف صاحبها من التفجير. الصورة الغالبة كانت «الهلال والصليب»، وهو الشعار الذي ولد قبل تسعين عاماً مع ثورة 1919. بل ذهب بعضهم ـــــ من المسلمين ـــــ إلى وضع صورة الصليب وحده إمعاناً في التعاطف. وعبّر آخرون عن دهشتهم وحيرتهم ممّا إذا كان كل ذلك يلغي الاستقطاب أم يزيده. استخدام الرموز الدينية بهذه الكثافة لتأكيد «الوحدة الوطنية»، يسهم بالقدر ذاته في تأكيد أنه وطن يتألف من «عنصرين». وهما عنصران دينيان فحسب. وفي كثير من الأحيان، أسهمت غزارة انتشار الصلبان، التي يحتضنها الهلال في صور المستخدمين، في فتح نقاش ديني متوقع في ظل مناخ أصولي. نقاش يبدأ بمعنى التعاطف والتضامن ويمر باستنكار اقتباس رموز عقيدة مخالفة وإن كان ذلك في «صورة البروفايل». لكن النقاش ذاته فَتح الحديث، كما لم يحدث من قبل، عن ضرورة تأسيس الدولة المدنية. وعاد الكلام عن ضرورة حذف خانة الهوية في البطاقة الشخصية، وإزالة الفخاخ المنصوبة في المناهج المدرسية بشأن العقيدة والعقيدة الأخرى. وهي النقاشات التي احتدمت وطغت على كل شيء آخر، بما فيه «الكورة»، معشوقة المصريين الأولى ومسكِّنة أوجاعهم. وطغت حتى على الانتخابات البرلمانية التي أثبتت الحادثة مجدداً تزويرها، لأن لا أحد من «الناجحين» كشف عن إمكانيات عمل جماهيري لعلاج الأزمة.
أما التظاهرات التي خرجت احتجاجاً، سواء القبطية الخالصة منها أو التي شارك فيها نشطاء سياسيون أو أدباء وفنانون، فإن تلك جميعها جاءت بعيدة ملايين السنين الضوئية عن أي نشاط حزبي، بما فيه الحزب الحاكم صاحب «الأغلبية». ولا بدّ هنا من التذكير بأن عدداً كبيراً من التظاهرات رُتّبت وحُشد لها من خلال «فايسبوك».
لكن الأهم مما سبق، أنه على الرغم من الزخم الذي صاحب انفجار «القديسين» وتبعاته، إلا أن «فايسبوك» يكاد يكون وحده الذي اختص بالنقاشات الحقيقية والمباشرة بين المصريين، بعيداً عن الرقابة والرسميات والمونتاج، والتعليمات الأمنية.