تستدرج العلاقة القديمة التي تجمع صقر أبو فخر بأنيس النقاش، الحديث عن ذكريات من نوع آخر. إنها استعادة لماضٍ «بهي»، جمع الصحافي والباحث الفلسطيني، بالمناضل والناشط السياسي اللبناني. في كتابه «أنيس النقاش ـــ أسرار خلف الأستار» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، محاولة لاستكمال حلقات ضائعة في سلسلة، شهد الكاتب الكثير من فصولها... لكن رغم البوح، والغوص في التفاصيل، يبقى التحفظ «النقّاشي» المعتاد، سيد الموقف.

ليس الكتاب مجرد نتاج «لقاءات تكررت بين بيروت وطهران»، بل هو جهد توثيقي تأريخي لحقبة ساخنة كان النقاش أحد أبرز وجوهها، وكوادرها المتحركة. حاول صقر أبو فخر أخذ صاحب السيرة إلى بعده الفلسطيني من خلال سرد أحداث ووقائع ظلت زمناً طي الكتمان. النقاش «لم يتسلّم أي منصب أمني في «حركة فتح»» ــــ وكان قد انتسب إلى تنظيمها الطلابي أواخر الستينيات ـــ إلا أنّه «مارس مهمّات أمنية كثيرة، وكانت بوصلته تتجه دوماً نحو فلسطين». في هذا الإطار، يفرد الكتاب مساحة واسعة للحديث عن سيرة «أنيس الفلسطيني».
نقع في الكتاب على تفاصيل حول أحداث شابها الغموض، وعلى «ترجمات» ذاتيّة ـــ ولو مقتضبة ـــ عن العديد من الشخصيات التي مرت في سماء الثورة الفلسطينية أو واكبت انطلاقتها. بذل أبو فخر مجهوداً في تغذية الكتاب بعدد لا يستهان به من «الهوامش الإيضاحية والتفسيرية»، يمكن أن تمثلّ كتاباً مرادفاً.
إلا أن الشق الأخير من مسيرة النقّاش، لا يحظى بتغطية واسعة في الكتاب. فكيف تحوّل «المناضل الفلسطيني»، إلى أحد جنود الثورة الإسلامية في إيران؟ وكيف صار ينفّذ العمليات الخاصة تحت إمرتها، ومنها محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق شهبور بختيار عام 1980؟ نكتشف في المقابل أنّ النقّاش «كتب مشروع تأسيس الحرس الثوري الإسلامي لحماية الثورة»، بعدما ربطته علاقات وطيدة بعدد من رجالاتها، كجلال الدين الفارسي، ومحمد صالح الحسيني، وآخرين... لا يقصّر الكتاب في التعريف على عدد كبير من هؤلاء، من زاوية البعد الفلسطيني لحركتهم.
يسجل على الكتاب، خلل في طريقة تحرير عناوين بعض الفقرات، ما يفتح المجال أمام القارئ للتساؤل عن الهدف من صياغتها بهذا الشكل ـــ وتضخيمها أيضاً ـــ طالما أنّ المضمون ينطوي على تفاصيل تنفي العنوان. نجد مثلاً فقرة بعنوان «مقدمات الحرب الأهلية والتجاوزات الفلسطينية»، لتأخذنا التفاصيل إلى مقارنة المقاومة الفلسطينية ـــ لتبرئتها طبعاً ـــ بما ارتكبه «اليابانيون في كوريا والصين، والقوات الأميركية في العراق وفييتنام، والبريطانيون في البوسنة، والفرنسيون في الهند الصينية والجزائر»، من فظاعات وعمليات اغتصاب. كذلك تحت عنوان «التحول من الماركسية إلى الإسلام»، يخال المرء أن النقّاش مرّ بتجربة من هذا النوع، ككثيرين من أبناء جيله، ليتبين أن الحديث يدور عن آخرين. فالنقاش وإن لم يكن ملتزماً دينياً، إلا أنّه لم يكن شيوعياًَ.
وعند الحديث عن «توريط الثورة الفلسطينية» في الرمال اللبنانية، يكشف النقّاش سراً «سيزعج أناساً كثيرين» بحسب قوله، وهو أن قائد قوات العاصفة نمر صالح، كان المسؤول عن قصف الأشرفية. ليس هذا السرّ الوحيد، إذ يمكن أن نجد بين صفحات «أنيس النقاش ـــ أسرار خلف الأستار» الكثير من تفاصيل ويوميات الحرب الأهلية، إضافةًَ إلى أسماء أشخاص وتنظيمات وعصابات... لن يقفل القارئ كتاب الأسرار هذا بعد قراءة أولى... سيكون على الأرجح مضطراً، إلى إعادة قراءته، من أجل ترسيخ كلّ تلك «الاعترافات» و«الذكريات» في ذهنه. كلّ ذلك في سيرة تجمع بين التوثيق، والتجربة الإنسانية الغنية لرجل شهد الكثير من الأحداث الساخنة.