سبع سنوات من تاريخ العراق ترويها هالة البدري في جديدها «مطر على بغداد» (المدى). لكن كيف لرواية مهما طالت صفحاتها، الإحاطة بكل ما حدث بين عامي 1975 و1982؟ ساهمت تلك السنوات بتغيير واقع المنطقة والعراق في آن، وتحويل بلاد الرافدين إلى دولة الصوت الواحد والرجل الأوحد. ترسم الروائية هالة البدري الخطوط العريضة للسرد على لسان البطلة، نورا سليمان، وهي صحافية مصريّة. «أحمل حقيبتي في طريقي إلى بغداد (...) آملة أن أعرف سر اختفاء أنهار خيون، صديقتي العراقية، وزميلتي في مكتب مجلة «الزهرة» المصرية في بغداد، وأن أزور بيتي في حي الدورة الذي أصابته الطائرات الإيرانية، وأطمئن على جيراني، وألتقي بسيوني عبد المعين الذي التحق بالجيش العراقي، وأعطيه خطاباً من أهله يحثه على العودة، وأن أزور مكتب مجلة «الزهرة» لكي أكمل تصفية أعماله، والبحث عن مقالات حلمي أمين... كل هذا في إطار قبولي دعوة للاشتراك ببحث في مؤتمر عن ثقافة النساء بعد محو أميّتهنّ». خطوط أولية مهمة، تضعنا منذ البداية أمام قلق الحكاية المتشعبة المسالك... فالبحث عن زميلتها، الصحافية الشيوعية التي اختفت مع بداية ضرب السلطة لـ«الحزب الشيوعي العراقي»، سرعان ما يتحوّل إلى سرد ظروف وتبعات تهجير العراقيين إلى إيران بحجة التبعية. ثم ينتقل إلى تداعيات الحرب الإيرانية العراقية، وأحداث أخرى تعرضها البطلة/ الراوية كلّها بطريقة الـ«الفلاش باك».

تتابع أحداث الرواية، معتمدة على ذاكرة البطلة. يوميات نورا، ويوميات حاضنتها بغداد، ومكتب مجلة «الزهرة» الذي لا يضم من الموظفين سوى مديره المصري حلمي أمين ونورا، ثم أنهار خيون. «اختفت أنهار، كما اختفت تماماً الشيوعيات من المؤتمرات العراقية. اعترضت الرقابة على ذكرهن في كتابي عن المرأة العراقية، وشطبت أسماء الرائدات، حتى الممثلات، وعازفات البيانو، أصبحن فجأة من الأعداء!»
مع تتابع الأحداث، يتلمّس القارئ في نورا سليمان، شخصية مستعارة، تأخذ محلّ كاتبة الرواية هالة البدري ـــ مراسلة «روز اليوسف» في بغداد لخمس سنوات. وهبت البدري تجربتها وذكرياتها في العاصمة العراقيّة إلى بطلتها، للتخفُّف من قيود الكتابة باسمها الصريح.
محاور الرواية العديدة، تمنحها قيمة أرشيفية، وتجعلها وثيقة صحافية حول صعود صدام حسين إلى سدة الحكم. «لا شيء يقف أمام قوة صدام حسين التي كانت واضحة وهو نائب لرئيس الجمهورية. فماذا سيحدث الآن وهو رئيس؟». لم تدخِّر الكاتبة جهداً في ذكر كل التفاصيل، منذ اشتراك صدام في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم. حتى إنها لم تنسَ ذكر الأهزوجة التي كان رجال البعث يطلقونها بحضور صدام: «هلهولة للبعث الصاعد... هلهولة للبعث الصامد».
رغم واقعية الرواية، وازدحامها بالتفاصيل، وأسلوبها السردي الشبيه بالخبر الصحافي، نجد على صفحتها الأولى عبارة: «هذه الرواية ليست نصاً واقعياً، وأبطالها من صنع الخيال وحده». كأنّ البدري تخشى أن «يتهمها» النقاد بالواقعية، رغم أنّ ذلك ليس بتهمة... بدت البدري معنيّة بسرد ما تختزنه ذاكرتها بطريقة تحليلية، أكثر من تمسّكها بالحبكة الروائية. ورغم أنّها بدأت روايتها بالبحث عن أنهار خيون، إلا أنّها تنهيها من دون أن تعلمنا بمصيرها!