... ينبغي القول إنّ والديّ لم يمارسا دوماً، بل ولا غالباً ربما، ما كانا يبشّران به. صحيح أنّ أمّي كانت شديدة الإعجاب بمالكوم إكس، وتحتقر السود الذين يتملّقون المؤسسة البيضاء ويذكّرونها باليهود المتعاملين مع النازيين في صفوف المجالس اليهودية، إلا أنّ والديَّ لم يكن لديهما أصدقاء سود: فقد خشيا أن يقلّل وجود جار أسود من قيمة العقارات. (...)

ومثل حال معظم الزيجات السيئة، كان والداي يتناقران على الدوام. فحين يصرّ أبي على أن الطقس حار، تصر أمي على أن الحرارة ناجمة عن البخار المتصاعد من مراوح التهوئة في الشتاء، فيما كان الموضوع بالنسبة إلى عقلي الساذج لا معنى له أساساً: إذ في معظم الأحيان لم تكن ثمة حرارة أصلاً (ففي بيتنا تضع لحمَ الستيك في الثلاجة لإزالة الثلج عنه، وتخرج منه (بيتنا) في الشتاء لتتدفّأ).
وبعد 30 سنة من الزواج ذهب كلّ من والديّ في طريقه، مع أنهما بقيا قريبين جداً واحدهما إلى الآخر حتى النهاية. وكنتُ أقول إن زواجهما صُنع في الجحيم، لكن طلاقهما صنع في الجنة. ولم يتزوج أيّ منهما من جديد، ربما لأن أيّاً منهما لم يثق إلا بالآخر: فشأن محبي البشر الذين يكرهون جيرانهم (كما جاء في المَثَل)، كان والداي يحبان البشرية على مستوى التجريد فقط. وقد شَرَحتْ أمي، المعروفة باقتصادها، أن أبي بقي عازباً بعد الطلاق «لأنني إذا رميتُ شيئاً فلن يلتقطه أحد» (المقصود أنّها لم تكن لشدّة بخلها ترمي شيئاً إلا بعد أن تستنفده تماماً).
وحين ذكرتُ لأبي أن صديقاً وعدني بمساعدتي على الانتقال إلى بيت آخر، تلفَّظَ بازدراء: «الأصدقاء!»، ولقد أثبت تقاسمهما العذاب أثناء الحرب العالمية الثانية أنه رابطٌ لا تنفصم عراه. فعلى الرغم من أن أمي كانت تقاوم السرطان، فإنها واصلت الاعتناء بأبي كأنه طفلها الوحيد، فيما راح هو يعاني مرضاً دماغياً انحلالياً. وحين أُلزمَ البقاء في مستشفى عام ينقصه الموظفون إلى حد فظيع، أمرتني أمي بالتأكّد من وضعه الصحي مرات عديدة في اليوم، قائلةً: «لقد كان في (معسكر اعتقال) أوشفيتز، فلا ينبغي أن يموت ميتة كلب». وفي نهاية المطاف استضافته في بيتها، إلى أن بات عنيفاً إلى حد استحالة السيطرة عليه. ولعلّ حافزاً أنانياً كان أيضاً وراء تصرف أمي: فهي كانت تعلم أن أبي هو وحده مَن يقف بينها وبين الأبديّة، فتعمّدت أن تتصرف كأنها تستطيع هزيمة الموت بعدما هزمت هتلر. وما زلتُ أذكر تعبيرها الخالي من أي إحساس حين أبلغتها بنبأ رحيل والدي: فلقد عَلِمَتْ أن دورها حلّ، بعدما عجزتْ عن أن تبعده عن براثن الموت. وبعد أشهر ماتت.

من كتاب نورمان فنكلستين «إسرائيل، فلسطين، لبنان: رحلة أميركي يهودي بحثاً عن الحقيقة والعدالة» (دار الآداب)