فلتكن روح الشعب اللبناني أقوى من «عقل» السياسيّين.

بل هي كذلك، وإلّا لكان الشعب اضمحلّ قتلاً وتهجيراً وفقراً.
زعماء ونوّاب وقبضايات يضحكون عليه ويستعملونه متاريس. وعندما يمرض الفقير لا يجد أمامه غير الاستعطاء أو الموت امام أبواب المستشفيات.
لا بدّ أن تكون روح الشعب اللبناني قريبة جداً، حتّى التماس، من روح اللّه، لأنّ الحاجة كبرى إلى السنَد الأكبر والإلهام الأكبر.
السنَد درءاً للانهيار، والإلهام علّه يوحي للناس، عبر معجزة تزعزع جمودهم، أنّهم بشر لا قطعان، وأنّ المعاناة تجمعهم إلى أيّ دين انتموا، وأن ليس هناك شعب 8 آذار وشعب 14 آذار واحدهما يتفرّج على محنة الآخر ويفرك يديه، بل هما ضحيّة واحدة لحزمة متعدّدة الوجه والغاية موحّدة الوسيلة والوحشيّة، حزمة لعبة الأمم صغيرها وكبيرها، تلعب بدمى زعمائنا الذين يلعبون بدم «ناسهم»، كما صاروا يسمّون الشعب هنا والشعب هناك، وناسهم هنا وهناك يشتغلون هم ونساؤهم وأطفالهم ليلتقطوا أنفاس الفواتير، ويبصقون الدم من أجل عدالة 14 آذار وشطارة 8 آذار، في بلاد أصبحت أسعار المعيشة فيها من وحي قدرة السيّاح الخليجيين.
الحاجة إلى أقصى الإيمان، وإلّا فإلى الكفر، لا بأس.
الثورة الشعبيّة هي الضالّة المنشودة منذ 1975. أكثر بلد في العالم الثالث يستحقّ ثورة شعبيّة جامعة لكلّ الطوائف هو لبنان، ودائماً حالَ فسادُ النقابيين ودسائس الطائفيين دون حصول هذه الثورة.
لا ثورةَ شعب من أجل حقوقه الاجتماعيّة فحسب بل ثورة شعب على سُلّاخه وباعته والذين لا يستحقّون، لا بأخلاقهم ولا بكفاياتهم، أن يكونوا خدّامه.
الطبقة السياسيّة منفصلة تماماً عن هموم الشعب. لا أعرف أحداً من الزعماء يشعر بما نسمّيه الحبّ حيال المساكين والمعوزين والمتروكين للمجهول، وقد صاروا أكثريّة. لا أعرف أحداً منهم لا ينام الليل من حيرته أمام مشاكل الناس وبحثاً عن حلول. لا أرى على وجوه أصحاب السعادة هؤلاء إلّا البهجة والرياء والحقد والتظرُّف والسمنة والغباء. لا أحد منهم يتحاشى الظهور خجلاً من فشله. الجميع منتصرون.
وغير صحيح أن الشعب مُنتج زعمائه وأنهم مرآته. وغير صحيح ما ندّعيه من أننا شعوبٌ لا شعب واحد. كلّ شعب هو شعوب وأديان ولغات. كلّ شعب كان مجموعة أغراب بعضهم عن بعض. كلّ شعب هو مجموعة متناقضات. ما من شعب معصوم من الحرب الأهليّة. وهذه جميعاً لم تكتم صوت الشعب ولا خطفت إرادته في أوقات الظلم. حقّ الأكل والعلم والاستشفاء، ضمانات الحدود الدنيا من المعيشة شبه الكريمة، يجب أن تكون كافية لتوحيد صفوف الشعب وانتزاعها بالقوّة.
نعرف أن الناس يقولون: هاتوا لنا مَن يقودنا. ونحن نجيبهم: سيروا في الشوارع دون أن يقودكم أحد. سيروا كالقَدَر. إذا مشى الشعب مشى الله. الله لا يحتاج إلى قائد.
الذين يتحكّمون فينا لا يعرفون من إيصال الحقوق غير الرشوة، ولا من ممارسة القانون غير الاستنساب، ولا من السلطة غير الإرهاب، ولا من السيادة غير الارتهان.
إن معجزة الإسلام اليوم، أيّها اللبناني المسلم، ومعجزة المسيحيّة اليوم، أيّها اللبناني المسيحي، هي أن تلتقي جموعكما في ثورة واحدة على هذا القهر.

■ ما معنى «أقلام مسيحيّة»؟
استوقفني في العدد الأسبق من مجلّة «المسيرة» قول الأمين العام لـ14 آذار الدكتور فارس سعيد: «لقد غابت الأقلام المسيحيّة تدريجاً من الصحافة المكتوبة في اللغة العربيّة».
لم أفهم بالضبط ما المقصود. إذا كان التعصّب المسيحي فنحن نصفّق لهذا الغياب ونتمنّى مثله لزملائنا المسلمين. إذا كانت الهويّة الدينيّة فالصحافيّون المسيحيّون يملأون الصحافة اللبنانية والعربيّة بما فيها السعوديّة. وإذا كان المقصود غير ذلك، أي أفضل من ذلك، أي المسيحيّة بمعنى الانفتاح أو الوطنيّة اللبنانيّة أو قِيَم الأنوار والعدالة والحريّة وحقوق الإنسان، فكثير من الصحافيّين المسيحيّين يتألقون في الصحافة العربية. وإذا كانت تلك القِيَم هي المقصودة، وأودّ أن أظن ذلك، فأمس كان الأستاذ أنيس النقّاش، المسلم اللبناني المناضل الإيراني الهوى، أمس كان على شاشة «الجزيرة» يقرّع سياسيّاً مصريّاً على كلام يبرّر مجزرة كنيسة الإسكندريّة ويلقّن أمثاله من المتعصّبين درساً لا يُنسى. سيدي الدكتور سعيد: أنيس النقّاش هذا هو عابر للطوائف، كما هو عابر للطوائف عبّاس بيضون، وأحمد بيضون، وسليم الحص، وطلال سلمان، وعلي حرب، ومنى فيّاض، ودلال البزري، ويوسف بزّي، ويحيى جابر... هؤلاء وغيرهم في الأقطار العربيّة والإسلاميّة مسيحيّون بالمعنى المثالي للمسيحيّة، وأكثر من دينيّين إلى أيّ ديانة انتموا بالمعنى الإنساني الشامل.
لا نريد مسيحيّين ولا مسلمين ولا يهوداً ولا بوذيّين إلّا بهذا المعنى. الحياةُ لا تحتمل تعصّباً إلّا للحياة. إلّا للإنسان. والقيم الكبرى، وأكبرها الحريّة، ملْك للبشريّة. والضمان الوحيد للأقليّات، سواء في الشرق أو في الغرب، هو مشاركة الأكثريّات لها في تقديس الحياة وحماية الإنسان وحقوقه. هذا هو الدين الجامع.
على ذكر الصحافة نرسل تحيّة إلى فدائيّيها. لنغضِ الآن عن المسيئين. تحيّة إلى الأبطال. كاتب الجريدة في لبنان فدائيّ أكثر فأكثر منذ تدشين اغتيال الصحافيّين في العصر الحديث. 1958 نسيب المتني. غندور كرم. فؤاد حدّاد 1959. ثم كامل مروّة. مع ابتداء الحرب 1975 رياض طه، إدوار صعب، الياس شلالا، سليم اللوزي... بعد «استئذان» ممسكي الوضع الأمني في لبنان سُمح لسليم اللوزي بالمجيء من لندن، حيث هاجر ليواصل إصدار مجلّته «الحوادث» بحريّة، إلى بيروت كي يدفن أمّه. ضمانات أكّدت له سلامته. وعلى طريق المطار خطفه خاطفوه إلى المجاهل المعروفة وشقّفوا يديه ورموه في بورة.
كان سليم اللوزي، «ذئبُ الصحافةِ الأغبر»، فارساً مقداماً لم يجرؤ أحد على مخاطبة الأنظمة والمنظّمات المخيفة كما خاطبها. لم تسربله عقدة، لا عروبة ولا ناصريّة ولا مقاومة، فقد قدّم براهينه فيها كلّها، وكان يؤمن بأنّ على الملوك والحكّام أن يخافوه وليس عليه أن يخافهم. أصبحت «الحوادث» في عهده أروج المجلّات الأسبوعيّة لأنّها كانت تتجرّأ على المحرّمات. تتصيّد الموضوعات الملتهبة وتقذف بحممها كالبركان.
ما زالت الصحافة تلد الشهداء. سمير قصير وجبران تويني. الشهيدة الناطقة مي شدياق. وغيرهم ممّن تفوتني أسماؤهم. فضلاً عن شهداء الظلّ الأحياء والذين يخاطرون كلّ يوم وهم يضحكون. ما زالت الصحافة تلد الشهداء ويجب أن تظلّ كذلك. ليس للحقيقة غير الضمير وليس للضمير غير الكلمة.
لقد أخطأ سرفانتيس بطواحينه. لم يبارز دون كيشوت أوهاماً. الأوهام التي نازلها تجسَّدتْ واغتالته. مات اغتيالاً على يد أشباحه. ودون كيشوت لم يعد عنتراً هزليّاً بل هو سوبرمان حقيقي. سرفانتيس لم يعرف ماذا ألَّفَ والصحافة لم تعرف ماذا فعلتْ.

■ عمر أبو ريشة
قرأتُ في «الحياة» مقالاً للأستاذ عابد إسماعيل (الأحد 26 كانون الأوّل 2010) يحيي فيه الذكرى المئويّة الأولى لولادة عمر أبو ريشة (1910 ـــــ 1990). مقال ممتاز يعيد بعض الحقّ إلى شاعر طبع زمنه وكان من أبرز السوريّين الذين شكّلوا ذلك النسيج المزيج الخصب من السوري ـــــ اللبناني، ولعلّها ليست مصادفة أن يكون نزار قباني وأدونيس، السوريان ـــــ اللبنانيان الآخران، قد تأثّرا به في مطالعهما.
اشتهر أبو ريشة بغزله ووطنيّاته، في الأوّل كان رقراقاً عذباً وفي الثانية لاهباً وكاوياً، وفي سائر ما نظم يداً في الجذور ويداً في الآفاق. حظيتُ برؤيته مرّتين، الأولى في احتفال تكريم الأخطل الصغير أو رثائه، لم أعد أذكر، والأخرى في لقاء شخصي ببيروت ذات مساء ماطر. قامةٌ ممشوقة وجبهةٌ مشمسة وذقنٌ صراعيّة وعينانِ تقدحان ذكاءً وظرْفاً في تحديق هو من شراسةِ النسر ونُبْلِ الأسد وتحنان العاشق معاً.
تُدهش قصائده بموجاتها الموسيقيّة. لا تعرفها صناعة أو فطرة. أهي الجينات العرقيّة؟ أبو ريشة ابن منبج، في حلب، مدينة البحتري وأبي فراس الحمداني. تردّدتُ قبل أن أسجّل انطباعي ببعض القربى بين إيقاعه وإيقاع البحتري لولا أنّي تذكّرت إشارة إلى تقارب بين الشاعرين أوردها في أحد مقالاته النيّرة ـــــ وكلّها نيّرة ـــــ شيخ النقّاد اللبنانيّين مارون عبّود قبل حوالى نصف قرن. لكن البحتري مائيّ وأبو ريشة ناريّ، وتوتّر أبو ريشة يكاد لا يهدأ، ولا يدع بينه وبين تعبيره المسافة الظليلة العريضة التي يضعها البحتري بينه وبين الموضوع.
أبو ريشة من أوائل الشعراء العرب الذين انفتحوا على الأدب الانكليزي والأميركي، وتأثّر بالرومنتيكيّة فيه، ولولا معرفتنا بذلك من دارسيه، أمثال عمر شبلي وعابد إسماعيل، لما أمكننا أن نتبيّنه، بفضل متانة الأصول عند هذا الشاعر الذي جدَّد بلا اغتراب وفتح النوافذ دون أن يزعزع البيت.
أعود بالذاكرة إلى قصيدة له عن لبنان تعلّمناها في الصفوف التكميليّة. لعلّها أجمل ممّا كتبه أيّ شاعر لبنانيّ عن لبنان. وأعود بالذاكرة إلى رحمته الآخر مهما أساء إذا اتّصفَ الآخر بالعشق. وأعود بالذاكرة إلى عنفه وصلابته وسطوة مواقفه الوطنيّة التي روّجت له في العالم العربي سمعةً بطوليّة لا تعرف الهوادة. وفجأةً أقعُ في ديوانه، بين لظى الثورات وفروسيّات الوطنيّة، على قصيدة لا شبيه لها عنده، لا شبيه لها عند أقرانه سابقين ولاحقين، قصيدة بلغ فيها الصدق ذروةً هي أقرب إلى القاع، حيث يقول:
«زعموا أنّي غَضَبُ الأحقاد
أسيرُ ودربي نزفُ جراحْ
وأخوضُ عبابَ الهولِ ولا
يستوقف عزمي عَصْفُ رياحْ
أنا عَبْدُ الخوفِ فلولا الخوف
لما قاتلتُ بكلّ سلاحْ».
ذروةٌ أقربُ إلى القاع وقاعٌ هو عناق الهاوية. عناقٌ هو أحد أسماء الشعر في البداية وفي النهاية.