غزة | إذا كان الراب هو فنّ التعبير عن الغضب والظلم والاضطهاد، فإنّ غزة إحدى البيئات الصالحة لنموّه. وليس غريباً لجوء شباب تعتصره مشاكل الفقر والبطالة إلى هذا الفن للتعبير عن قضاياه وآلامه وآماله، لكن يبقى نجاح الراب رهناً بتقبّل الغزيين لهذا «الفن الأميركي المستورد» كما يصفه كثيرون.

الرابر وليد المعروف بـ MC Waleed، كان أحد أوائل من غنّوا الراب في غزّة، ضمن فرقة جمعته بعدد من أصدقائه عام 2008، قبل أن ينفصل عنهم ويبدأ الغناء منفرداً. «كنت مستمعاً ومتابعاً شغوفاً لأغاني الراب، ولم أكن أتخيّل أنّه يمكنني أن أقدم ما أنا مولع به داخل غزة»، يخبرنا الرابر الشاب بحماسة عن تجربته الشخصيّة. «ثم جرّبت الغناء مع فرقة «درج تيم»، وقدمنا عروضاً جيدة وقوية، قبل أن أختار الغناء منفرداً»، يضيف. يكتب وليد كلمات أغانيه بنفسه، ويساعده أصدقاؤه على اختيار الإيقاع واللحن. يتناول من خلال أعماله قضايا اجتماعية مثل البطالة، والفوارق الطبقية، والمخدّرات، ويعرّج على الشؤون السياسية الحاضرة بقوة في الحياة الفلسطينية.
يشكو وليد عدم تفهّم المجتمع الغزيّ لفنّ الراب، واعتبار من يحملون لواءه «مجرّد مقلّدين للغرب». المشكلة الأكبر في رأي وليد هي الخشية من تعرّض حكومة حركة «حماس» لفرق الراب، بدعوى أنّها «محرّمة»، لا من تقاليد الشعب الفلسطيني وعاداته. ويستشهد في هذا الإطار بما حدث قبل أشهر، حين منعت أجهزة الأمن في غزة حفلةً لإحدى فرق الراب، رغم حصولها على ترخيص بإقامة الأمسية. ويقول الرابر الشاب، إنّ غياب الدعم المادي يؤثّر في تطور الراب الفلسطيني ونهضته، وخصوصاً أنّ اعتماد الفرق على ذاتها في توفير متطلبات عروضها، وتسجيل أغنياتها، قد لا يصمد طويلاً.
يتفّق الرابر إبراهيم غنيم المعروف بـ MC Gaza مع رأي زميله. ويقول إنّ فرقته شاركت في عدد من المسابقات المحلية، وفازت بالمراكز الأولى، إلّا أن إمكاناتها لا تزال محدودة جداً، مذكّراً أنّهم يعتمدون على قدراتهم الشخصية لتسجيل أعمالهم. هذه الأوضاع، دفعت المجموعة إلى تجهيز استوديو تسجيل صغير في بيت أحدهم، بغية إنجاز أغنياتهم بأقلّ كلفة ممكنة. إبراهيم ابن الثمانية عشرة عاماً، يعدّ أصغر مغني راب فلسطيني، وقد حصل على المركز الأول في مسابقة «رسالتنا» بالتعاون بين بلدية غزة، وبلدية تروسو النرويجية.

أداء لا غناء

بدأ إبراهيم رحلته مع الراب عام 2005 في سن مبكرة، حين سمع الغناء المقفّى على إيقاع «الهيب هوب» للمرة الأولى. استهواه النوع منذ ذلك الحين. «مع الوقت، زاد وعيي الداخلي بهذا الفنّ، لكنّ المسألة أنّ انتشار الراب بقي بطيئاً ومحدوداً، لكنني لن أتنازل عن رغبتي في الوصول إلى العالمية، وخصوصاً بعدما خضتُ تجارب ناجحة، غنّيت من خلالها مع «الرابر» فارس ولد العلمة، ومع مغنيّة راب دنماركيّة، وآخرين من فلسطين المحتلّة عام 1948» يقول.
تعلِّق الكاتبة المهتمة بالقضايا الفنية والثقافية أسماء شاكر على كلام وليد وإبراهيم قائلةً: «وصل فن الراب متأخراً إلى فلسطين، وتعود أولى المحاولات في هذا المجال إلى عام 2004. وقد يعود هذا التأخر، إلى كون الراب قد نشأ نشأة رئيسيّة في الولايات المتحدة، ما يمنحه سمعةً سيئة بالنسبة إلى المستمعين في المجتمع العربي. واستمرت المحاولات الخجولة في هذا المجال، ليحافظ على نفسه كحالة، لا كظاهرة، تشمل مجتمعاً كاملاً بحراكه الثقافي». ويقتصر الراب بحسب شاكر على بعض الشبان المنضوين داخل فرق فنية لا يتعدى عدد أعضائها الخمسة في أحسن الأحوال، وجمهورها من الشباب المنبهر بالتجربة الأميركية، والمتأثر بالموسيقى الصاخبة والسريعة. ومعظم هؤلاء يُعجَب بتجربة الراب، من دون الالتفات إلى الكلمات ولا إلى ما تحمله من معانٍ. «هم باختصار لا يهتمون لما يناقشه هذا اللون، ولا للرسالة التي ينوي القيّمون عليه إيصالها إلى المجتمع» تضيف.
وتلفت شاكر إلى أنّ الراب يعتمد في الدرجة الأولى، على روحيّة المجموعة القائمة عليه، ولا يعدّ الراب غناءً بقدر ما هو أداء. «يتحدّث الرابر عن نفسه معبّراً عن غضبه من سلوكيات معيّنة، أو طارحاً أفكاراً يؤمن بها، لهذا فإنّه فن يعتمد على الارتجال»، تقول. إلّا أنّ رسالة فرق الراب العربيّة، تبقى صعبة الفهم على نطاق واسع، لأنها، ككل ما يجري نقله بطريقة الترجمة الحرفية، تلاقي بعض المشكلات في الوصول إلى المتلقي. «مثلاً، طريقة نطق الكلمات بالعربية، بطريقة سريعة، واختصار بعضها لضرورات اللحن، قد يجعلها غير مفهومة»، تلفت شاكر. «كما أنّ الثياب الواسعة المستوحاة من لباس السجون، تخلق حاجزاً آخر، ويكون ردّ الفعل الأوّل نفوراً لا إرادياً، لما يشوب الهندام من إعلان صريح للفوارق الشاسعة بين ثقافتين» تضيف.

موضة أم قضيّة؟

من جهته، يرى المطرب الشاب فادي ياسين أنّ فرصة غناء الراب في غزة تكاد تكون معدومة. ويعلِّل ذلك بأنّ «الغزيين لا يتقبّلون الجديد بسهولة، ويحتاجون إلى التأكُّد في البداية من أنّ الراب يعبّر عنهم بالفعل، ويعكس ما يعانونه في مختلف نواحي حياتهم».
ويقول ياسين المتخصص في الغناء الشرقي إنّ نوعه «قد يكون الأقرب إلى ثقافة الناس هنا في غزة. مع ذلك، نجد الكثير من الصعوبة، فكيف بمغنّي الراب؟» ويضيف: «نظرة المجتمع إلى الفنون تتراجع، رغم أنّ كل شيء من حولنا يتقدّم ويسير إلى الأمام. نحن نبذل جهوداً كبيرة لتأليف كلمات جيّدة، والبحث عن لحن يحاكي القلوب، ونحاول الأداء بطريقة متميّزة، المشكلة ليست هنا، المشكلة تكمن في أنّ الحاجز مع الموسيقى والفنون، حتى الشرقيّة منها، يبقى قائماً في مجتمع منغلق مثل غزّة... فما بالك بأداء يعتمد على الصخب، ويعتمد مؤدّوه على الإبهار والنسخ الحرفي لتجربة ليست ملكنا؟».
من جهتها، ترى أسماء شاكر أنّ غناء الراب «أقرب إلى الموضة منه إلى تبني فكرة فنية واضحة»، إذ «تستخدم معظم الفرق طريقة القص واللصق في أدائها وعروضها». هذا لا يلغي وجود فرق نجحت وقدمت عروضاً قوية داخل غزة، ومن ثم انتقلت إلى الخارج لتحكي باسم الشعب الفلسطيني. وتعطي شاكر مثالاً على ذلك فرقة «درج تيم»، المكوّنة من أربعة شباب غزّيين، نجحوا في تقديم عروضهم على مسارح أوروبا. تعدّ هذه الفرقة الأنجح فلسطينياً، أمّا بقية الفرق، فبقيت تفتقر إلى الدعم المادي والمعنوي، بسبب غياب الوعي الثقافي اللازم لأيٍّ من الفنون «المألوفة»، من الفن التشكيلي إلى المسرحي... ولنا أن نقدّر الحال المزرية لغناء الراب، الذي يفتقد المشروعيّة الشعبيّة. فهل يمكن التعويل على الراب كحالة بناء ثقافي كامل للمجتمع؟ يعود هذا السؤال في الأساس إلى الأيديولوجيا السائدة التي تدعم فناً بعينه، ما قد يعني ـــــ في ظلّ غياب الاحتضان اللازم للراب كفنٍّ معترف به ـــــ ذوبان الفكرة، وتفكّك الفرق في وقت قريب.




أغيثوا غزة

«بداية تكالبت نهاية تكتمت/ دماؤنا على الكل هانت/ وأمي هنا صرخت وامعتصماه/ وليس من مجيب/ أمي بتنادي ما في معتصم زمن عجيب/ الضمير العربي حي لا لا/ ارتقى إلى السماء/ لا أقصد الشعوب بل الحكام السفهاء/ اسفكت الدماء من يبحث عن قضاء/ أصوات تتعالى تنادي أغيثوا غزة»

من «أغنية غزّة» للرابر
MC Gaza