أطلقت السلطات الكويتية أخيراً الرصاصة الأخيرة على صحيفة «الوطن» التي كانت تنازع للبقاء في الفضاء الافتراضي بعد إيقاف نسختها الورقية قبل أشهر، لتتوقف نهائياً عن الصدور بأمر المحكمة العليا في الدولة الخليجية الصغيرة.

علماً أنّها ما زالت حتى لحظة كتابة هذه السطور تصدر الكترونياً مخالفةً بذلك قرار المحكمة كما خالفت في السابق قرار إغلاق قناتها الفضائية الذي تم على يد قوة عسكرية حضرت إلى المكان.

وبحسب مراقبين، فإنّ قرار الإيقاف أنهى الجدل الذي استمر طويلاً حول صحة بقاء صحيفة أسهمت طوال سنوات في ضرب النسيج الاجتماعي والديني داخل البلد الذي لطالما تباهى بانفتاحه الطائفي وتعدّديته المذهبية والقبلية. «الوطن» أسهمت أيضاً في تأجيج التظاهرات التي خرجت العام الماضي ضد النظام الأميري، حتى جاءت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، متمثلة في إصرارها على الخوض في قضية التسجيلات المصوّرة التي ظهرت في بداية كانون الأول (ديسمبر) 2013. علماً أنّ التسجيلات كانت عن وجود مؤامرة مزعومة بين رئيس مجلس الأمة (النواب) الراحل جاسم الخرافي، ورئيس الوزراء الكويتي السابق ناصر المحمد، خطط فيها الاثنان وفق المزاعم لقلب نظام الحكم في الكويت.

اعتبرت انتحاريّي داعش
«جنوداً للحق» وتفجيرات برج البراجنة «دفاعاً عن عروبة لبنان»!
وخاضت «الوطن» في هذه القضية رغم تحذير الديوان الأميري ووزارة الإعلام الكويتية بعدم تناول الموضوع في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وترك الأمر للقضاء. الشريط المزعوم فجّر غضب الخرافي الذي كان قد رفع قضية ضد الصحيفة، يطالبها فيها بدفع فواتير قديمة فاقت‮ ‬18‮ ‬مليون دينار (٥٩ مليون و٢٠٨ آلاف دولار أميركي) قيمة ورق تطبع به جريدة «الوطن» على مدى 20 عاماً. ويعتقد مراقبون أنّ الذي يقف خلف تسريب هذا الشريط هو الشيخ أحمد الفهد أحد أعضاء الأسرة الحاكمة الكويتية. وقد أراد بذلك إبعاد منافسيه على خلافة عمه في كرسي الحكم الأميري الذي لا يتم بشكل وراثي من الأب إلى الابن كما هو معمول به في غالبية دول الخليج، يساعده في ذلك كونه حكراً على أسرة المؤسس مبارك الصباح.
دخول مالك الصحيفة الشيخ علي الخليفة الصباح على خط الخلاف على كرسي الإمارة، مهّد لبداية نهاية «الوطن»، سبقها تغاضي حكّام الكويت عن اتهامات تدينه بالسطو على عائدات ناقلات النفط خلال الغزو العراقي للكويت الذي استمر سبعة أشهر. خلال هذه الفترة، لعب علي الخليفة دوراً محورياً في الضغط لجلب القوات الأميركية إلى المنطقة، ساعده في ذلك تسلمه الحكم إدارياً بتفويض من الشيخ جابر الأحمد الصباح المقيم في السعودية طوال مدة الحرب على بلاده.
الشيخ المثير الجدل كان ضمن وفد الكويت الذي اختطفه كارلوس خلال اجتماع أوبك في فيينا سنة 1975. وبعد التحرير، قرر علي الخليفة الابتعاد عن السياسة. مهّد ذلك للاستيلاء على الحصة الأكبر من جريدة «الوطن» التي استمرت في الصدور منذ الستينات حتى سحب وزارة التجارة والصناعة الرخصة التجارية للصحيفة في كانون الثاني (يناير) 2014، كونها خسرت أكثر من 75% من رأسمالها الذي يفرضه عليها «مشروع قانون الإعلام الموحد» الكويتي، عدا الدعاوى والديون المتراكمة للخرافي وقضية تحالفها مع أحمد الفهد والتيار السلفي المعارض للنظام في الكويت. وقد سبقها إغلاق السلطات قنوات تلفزيون «الوطن» الفضائية في حزيران (يونيو) 2014، للأسباب نفسها. توجه «الوطن» أدخلها في عنق الزجاجة. لم يكن هناك تفسير لبقاء الصحيفة قيد الإصدار حتى أيام مضت، سوى حدة الصراعات الدينية داخل الكويت. ساعدها في ذلك حصول السلفيين على الحصة الأكبر في مجلس النواب في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. عادوا بعدها للتحالف مع «الشيعة» في تشكيل أطلق عليه يومها «التحالف الوطني الإسلامي». لم يدم الود طويلاً بين أطياف البيت الكويتي الواحد: جاء استشهاد عماد مغنية في شباط (فبراير) عام ٢٠٠٨، ليكون الفيصل في السياسة والإعلام. وقتها، أعلنت «الوطن» بشكل واضح إلى جانب من تقف، وطالبت باعتقال جميع المشاركين في تأبين مغنية، وفصل النواب المعزين والتحريض على سحب جنسياتهم. ضج الرأي العام الكويتي بالقضية لفترة طويلة. تبع ذلك رفع النواب المتضررين قضايا على كل من أسهم في تشويه سمعتهم ومحاربتهم سياسياً وطائفياً. ساعدت الدولة في إرضائهم مناصبياً، وما زالوا يربحون حتى اليوم جميع القضايا التي رفعوها لرد الاعتبار لهم. ورغم كثرة المشاكل والدعاوى ضد الصحيفة الكويتية، استمرت «الوطن» في اللعب على الخلافات بين المكونات الوطنية. يؤكد ذلك تصريح أحد النشطاء الكويتيين لـ «الأخبار» بأنها «لعبت دوراً أساسياً في تصويب بندقيتها ضد شيعة المنطقة واتهامهم بالتبعية لطهران، وهذا قد تجد له سوقاً في الكويت، لكن الغالبية لا تفضّل بقاء هذا النوع من التحريض من دون محاسبة».
استمرت الصحيفة على المنوال نفسه حتى الإغلاق الأخير. في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، كتب عبد الله الهدلق مقالاً بعنوان «اشرب من الكأس التي أسقيتها للناس يا حزباً نصيرياً يعادي المؤمنين»، وصف فيه انتحاريّي داعش بـ «جنود الحق من المؤمنين الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه»، مدعياً أنّ تفجير برج البراجنة في بيروت إنما جاء «للدفاع عن عروبة لبنان واستقلاله ضد اتباع الفرس» وفق تعبير الهدلق.
قد لا تنتهي سقطات الإعلام المذهبي والتحريضي مع غياب «الوطن» عن الساحة في البلد النفطي الذي كان يعتبر بوابة الخليج الثقافية. من جهة أخرى، هناك خشية عند المدافعين عن حقوق حرية التعبير في الكويت، من دخول البلاد في نفق مظلم، بات حتمياً مع استمرار ملاحقة المدونين والمغردين، بقوائم عقوبات تتوسع لتشمل جميع من يفكر خارج سرب ملوك الصحراء.