تونس ــ «سبحان مغيّر الأحوال» ذلك هو لسان حال المراقبين لأداء الإعلام في تونس هذه الأيام. فجأةً تحوّل الإعلام الرسمي التونسي والمقرّب من الحكومة من بوق دعاية لسياسة نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، إلى فضاء مفتوح أمام وجوه المعارضة والشخصيات التي أدّت دوراً مركزياً في إطاحة الحكم.

القنوات الحكومية والفضائيات الخاصة فتحت أبوابها لكيل الشتائم ضد بن علي وأقربائه، الذين وُجِّهت إليهم الاتهامات باستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع. أحد الصحافيين في قناة «حنبعل» اعترف عشية يوم الأحد الماضي في حلقة مباشرة، بأنّه مُنع في السابق من بث العديد من الحوارات والتقارير الإخبارية على قناته، ومورست عليه الكثير من الضغوط. وقال «لو مرّرت تلك التقارير، لطُردت من العمل». هكذا تحوّل الصحافيون الذين تواطأوا في تنميق صورة الديكتاتور، إلى ضحايا أُجبروا على تسويق سياسة «بينوشيه العرب».
فجر يوم 15 كانون الثاني (يناير) الماضي، خرجت صحيفة «الصباح» اليومية، التي يملكها محمد صخر الماطري (الصورة)، صهر الرئيس السابق، بمانشيت عريض مفاجئ «... وقال الشعب كلمته». وتضمّن العدد المتميز تغطية بالصور للتظاهرات، ومقالات تحدثت عن تظاهرات شعبية غاضبة، ونصوص ذات عناوين من قبيل «اعتقال عدد من أفراد عائلة الطرابلسي عند محاولتهم الهرب إلى فرنسا»، و«الموساد توقّع سقوط بن علي» وغيرهما من النصوص التي ما كانت لتجد طريقها إلى النشر في ظل حكم بن علي. وفي عدد يوم الاثنين، وضعت «الشروق» على صفحتها الأولى صورة المدير السابق للأمن الرئاسي علي السرياطي، الذي قبض عليه الجيش، وفتح تحقيقاً معه. وهو المعروف بأنّه المهندس الأول لمؤامرة بث الرعب والفوضى بين صفوف المواطنين التونسيين بهدف إفشال انتفاضتهم. كما نشرت الصحيفة نفسها مقالاً من جريدة «الأخبار» البيروتيّة كتبه الزميل بشير البكر بعنوان «زين العابدين بن علي... التاريخ يكرّر نفسه»، إضافةً إلى تغطيات لعمليات عنف قامت بها قوات الشرطة ضد المحتجين.
وبعد إلغاء الحجب والرقابة على الصحف الإلكترونية عشية سقوط بن علي، انطلقت العديد من الأقلام التي أحجمت سابقاً عن انتقاد السلطات، وراحت تسلّط الضوء على عوراته. بينما وجدت مواقع أخرى معارضة كانت محجوبة، الفرصة لنقل مواقفها من المستجدات الحاصلة. مواقع مثل «تونسنيوز» و«الحوار» و«السبيل أونلاين» التي كانت المصدر الأهم للأخبار رغم حجبها، أصبحت حالياً من بين أبرز المنافذ لتسليط الضوء على المستجدات.
الصحافي المستقل توفيق العياشي تحدث عن «نفاق هؤلاء الصحافيين الذين يتلوّنون بكل الألوان»، مستغرباً صمتهم عما كان يحدث من خروق إعلامية في ظل الحكم المنتهي. وشدد على أهمية التشبث بالحرية الإعلامية التي حُقّقت في وجه أيّ محاولة ارتداد إلى الخلف.