أُعلنت رسمياً مشاركة لبنان في الدورة الرابعة والخمسين من «بينالي البندقية/ فينيسيا»، الموعد الدولي العريق الذي يمثّل، منذ عام 1895، الفضاء الأبرز لتحديد الاتجاهات الفنية الجديدة في مجال الفنون المعاصرة.

خلال العرض الأدائي الذي قدمته للمناسبة الأكاديمية والفنانة كورنيليا كرافت في السفارة الإيطالية في لبنان، كان ثمة نُدُل يقحمون الطعام في أفواه الحاضرين متمتمين بعبارات غير مفهومة. الهدف من ذلك كان توجيه تحية للفنان وليد صادق الذي تحدّث في مقال له نُشِر ضمن كتاب «طريق إلى السلام» (صدر عن «مركز بيروت للفن») عن مار يعقوب الذي ابتلع كتاباً قدّمه إليه أحد الملائكة من دون أن يقرأه. هكذا، يصبح الجمهور جزءاً من العملية الفنية، وتصبح الصحافة التي ستعلّق على الخبر لاحقاً، والقارئ الذي سيقرأ الخبر، جزءاً منها أيضاً. الفن يتخذ أكثر فأكثر طابع «التدخل الفني»، والعملية الفنية لم تعد حكراً على صانعها المنزوي في كوكبه الخاص. ألا يبدو ذلك نتيجة بديهية لتفجّر الأشكال الفنية الحديثة من تجهيز وأداء وفيديو وصورة، وجميعها ترتكز إلى توليد التفاعل بين الفنان والجمهور؟
تنسجم تلك التحية مع الرؤية الفنية لمنسّق المشاركة اللبنانية في بينالي البندقية الذي عيّنته وزارة الثقافة. الكاتب والأكاديمي جورج رباط يرفض فصل الفن المعاصر عن طبيعته التفاعلية. ومن هنا ربما، يشارك لبنان هذا العام (وهي مشاركته الثانية بعد 2007) تحت عنوان Lebanon as a State of Mind. ضمن لعب على الكلام يصلح باللغة الإنكليزية، يصبح «لبنان كحالة فكرية» أو «لبنان كدولة/ فكرة»، فكرة تتوارثها الأجيال تباعاً، وتصوّراً يتداوله المواطنون، ونظرةً يحتفظ بها كل واحد منهم عنه، و«قصة» يكتبونها جميعاً، لا دستوراً وضعه بعضهم، على حدّ تعبير رباط. بهذا المعنى، يصبح الفن عملية شاملة ومستمرة.
وقد حضر وليد صادق لقاء الإعلان الرسمي للمشاركة في البينالي، رغم أنّه انسحب من المشاركة في الدورة. فعل ذلك تضامناً مع موقف بعض الفنانين الذين يتحفظون على المشاركة، قبل إيجاد لجنة تنظيمية تحدد الأسس العقلانيّة والموضوعيّة لتمثيل لبنان في البندقيّة، مع أن «الكلّ أجمع على اسم صادق لتمثيل لبنان في البينالي» كما يشدّد ربّاط، علماً بأن الفنان والباحث والمنظر اللبناني المذكور، سبق أن شارك عام 2007 في الجناح اللبناني في البينالي إلى جانب فنانين آخرين هم فؤاد خوري ولميا جريج ومنيرة الصلح وأكرم زعتري.
وإذا كنّا نعرف المنسحب من المشاركة، فما زلنا لا نعرف من نزلاء الجناح اللبناني الرسمي في «البندقيّة»، ابتداءً من حزيران (يونيو) 2011، إلا إيتل عدنان «التي رفدت من الكتابة إلى الرسم» كما يذكّر رباط، إضافة إلى الفنانة أنابيل ضو (1967). هناك إذاً ثلاثة أسماء أخرى تعمل لجنة خاصة على اختيارها، على أن يتواصل الفنانون الخمسة مع زائري البينالي عبر تقنية الـAugmented reality (الواقع المعزز) التي ترتكز على الوسائط الرقمية مثل الإنترنت والهواتف الخلوية إلخ. لكن «البندقيّة» ليست الغاية الوحيدة، حسب الهيئة المشرفة. على البرنامج تنظيم ورش عمل وعروض فيديو ومعارض في مختلف المناطق اللبنانية، لتعميم المشاركة في الحدث على المستوى الوطني، وحتى لدى الجالية اللبنانية في إيطاليا. حالياً، «تساعدنا الليدي كوكرين (إيفون سرسق) في التواصل مع المقيمين هناك، واستئجار مساحات للعرض بأجور رمزية، ونحاول أن تكون موزعة على مناطق عدة»، يؤكد جورج ربّاط.
لكن ماذا عن آليات اختيار المشاركين؟ يجيب منسّق المشاركة اللبنانية: «نحاول الابتعاد عن الأسماء التي أصبحت مكرّسة في الغرب، وذلك لخدمة العنوان المطروح، أي «التدخل الفني». من يأتي من خارج الدائرة الفنية المحكمة، لديه حتماً إضافات ليقدمها. وبهذا المعنى أيضاً نبرهن للغرب عن أصالتنا وعن ثقتنا، من خلال طرح أسماء جديدة لم تكتسب شرعيّتها من تكريسه لها».