دمشق| يجنح التشكيلي السوري باسل السعدي (1971) نحو التمرّد على مختلف الأعراف السائدة، في محترفات النحت السورية، بعدما وجد ضالته في المعدن. جعل من المعدن مادة خاماً لمجمل أعماله النحتية، محاولاً ابتكار معادلات بصرية مغرقة في التجريد، تحاكي في كثير من الأحيان جملة من التناقضات الإنسانية. في معرضه التي تحتضنه صالة «قزح» الدمشقية، يرصد السعدي العلاقات المتشعبة، بين أشكال هندسية مصنوعة من المعدن


، تمّ تركيبها بعضعها فوق البعض الآخر. نتج من هذه الورشة 13 عملاً نحتياً، علّقت جميعها على الجدران، بدلاً من توزيعها على الأرض، كما تَفترِض عادة تقديم الأعمال النحتية وعرضها.
مثلثات ودوائر وقطوع وأسطوانات معدنية، اخترقت الفراغ الأصمّ. بعض هذه الأشكال بقي طليقاً حراً على بياض الحائط، ومنها ما قيّد داخل علب معدنية صدئة، تشبه إلى حد ما، الفضاءات المضجرة التي نسكنها نحن البشر... تحاول أشكال السعدي وتكويناته المعدنية النطق أو الحركة، وصولاً إلى كسر حالة الثبات التي فرضت عليها. تعكس بهذا الشكل حيوية صانعها، والعفوية التي يحاول تكريسها في مجمل أعماله النحتية، مقدماً عبرها قراءته الذاتية لمفهوم الشكل والمادة، والعلاقة القائمة بينهما. يضيف إلى قراءته تلك في معرضه الحالي، القراءة اللونية لبعض التفاصيل الهندسية، بعدما وجد فيها فسحة للتخلص من التشابه بين مجمل الأعمال، تاركاً الحكم على نجاحه أو فشله لمتابعي تطور تجربته، في ظل غياب النقد التشكيلي الحقيقي، أو النقاد المتخصصين عن الأوساط الفنية التشكيلية المحلية. «لا وجود للنقد التشكيلي الأكاديمي، أو لناقد فني واحد، يعنى أساساً بالتجارب التشكيلية الحداثوية الجديدة على الساحة التشكيلية السورية. هذا ما جعلني أعيش حالة من الارتباك الحقيقي، حول تقويم ما وصلت إليه محاولاتي وتجاربي النحتية، وكأنني أدور في حلقة مفرغة».
يعتمد باسل السعدي في عمله على «التجريد الهندسي»، بحسب تصريحه لأحد المواقع السوريّة. يلجأ في بحثه عن ماهية الشكل، إلى مادة الحديد المسطح مع إدخال اللون في بعض الأعمال، مستلهماً أعمال إدواردو شيليدا، ودايفيد سميث، وأنطوني كارو، وبابلو بيكاسو، «ممن أسسوا لهذا النوع من العمل النحتي».
لم يتلقّ التشكيلي الشاب أي دراسة أو تكوين في محترف فني أكاديمي، بل طور أدواته وعلّم نفسه ذاتياً، مستفيداً من مشاركاته في ورشات عمل فنية محلية وعالمية مختلفة. نال على أثر هذه المشاركات العديد من الجوائز في مسابقات عالمية، منها الجائزة الذهبية في مسابقة النحت، ضمن فعاليات «مهرجان المحبة» في اللاذقية عام 2003. يتميّز أسلوب السعدي بالعمل على المسطحات المعدنية الصغيرة، متأثراً بأسلوب التشكيلي والمنظّر الروسي فاسيلي كاندنسكي (1866 ــ 1944) الذي أوجد ما يسمى المبدأ اللاتصويري أو اللاتمثيلي في المدرسة التجريدية، عندما طور كاندنسكي ما سماه لاحقاً kleine welten أي «العوالم الصغيرة». هذا ما لا ينكره السعدي، لكنّه يؤكد دائماً، أنه ينطلق من إحساسه بالواقع المحلي المحيط به، محاولاً الاستفادة من خبرته التي اكتسبها في العمل على خامة غير متداولة أو مستعملة بكثرة. «غالباً ما يرغب النحاتون على الساحة المحلية العمل على الخامات النبيلة، مثل الرخام الملمع أو الخشب، ولا يحظى الحديد أو المعدن باهتمامهم لأسباب كثيرة، قد يكون أهمها كلفته المادية
المرتفعة».



غاليري «قزح» ـــ سوق مدحت باشا (دمشق القديمة) ـــ حتى 2 شباط (فبراير) المقبل. للاستعلام: 00963115434599