كأنّ قطع خطوط الهواتف المحمولة، وحجب خدمة الإنترنت، والتضييق على الصحافيين في الميدان لا يكفي، قرّر نظام حسني مبارك صباح أمس، إقفال مكتب «الجزيرة» في مصر. صدور مثل هذا القرار كان متوقّعاً، نظراً إلى الدور البارز الذي قامت به الفضائيّة القطرية خلال تغطية «ثورة الكرامة» في تونس، ثمّ في نقل التطورات على الساحة المصرية منذ الثلاثاء الماضي. لكن بدا واضحاً لكل من تابع تغطية القناة أمس، أنها نجحت ـــ رغم القرارات التعسفية لسلطة لم تعد تمتلك أيّ شرعيّة دستوريّة ـــ في المحافظة على دورها كمصدر أوّل للأخبار والمعلومات في الشارع المصري.

هكذا قدّمت المحطة، على مرّ النهار، مواد إخباريّة وتحليليّة، وشهادات وأخباراً بعضها أقرب الى السبق الصحافي. هكذا سمعنا أن قوى المعارضة اتفقت على تفويض وفد برئاسة محمد البرادعي، مفاوضة النظام. وسرعان ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» وباقي القنوات الخبر. ثم اكتشفنا أن ممثل «حزب التجمّع» ليس على علم بالمبادرة، ولا يفهم جدواها. وأخيراً جاء عصام العريان القيادي في الإخوان، لينفي ما سبق أن صرّح به على عجل بعد تحريره مع بعض رفاقه من أحد السجون.
كل ذلك فعلته «الجزيرة» بالصوت، من خلال الاتصالات، كانت هواتفها دائماً في المكان المناسب، لتبقي «حبل الوداد ممدود»، كما في أغنية الشيخ إمام، والوداد هنا هو البث المباشر. كانت أوّل من بثّ خبر تحليق الطائرات الحربية «أف ــــ 16» فوق المتظاهرين في ميدان التحرير، عبر اتصال مباشر مع الصحافي داود حسن الموجود هناك. وفي وقت اختارت فيه باقي المحطات إقصاء جماعة «الإخوان المسلمين» عن المشهد، لم تتردّد القناة القطرية بإشراك قياديي «الإخوان» في النقاش.
وما إن خرج القيادي في الجماعة عصام العريان من السجن، اتصلت به «الجزيرة» واستوضحت موقفه من كل التطورات. ولا شكّ في أن المحطة حصلت على سبق صحافي عبر اتصال أجرته مع الصحافي كارم يحيى. أعلن هذا الأخير أن قسماً كبيراً من صحافيي جريدة «الأهرام» أعلنوا العصيان، عبر توقيعهم على بيان يعلن انصمامهم إلى صفوف الشعب ومطالبتهم مجلس التحرير بالاستقالة «لإنقاذ صورة «الأهرام» والحفاظ على عراقتها ... وخصوصاً أنها «عمدت في الفترة الأخيرة إلى نشر الأكاذيب وتشويه صورة الشعب». ولا ننسى الإشارة إلى الرسالة التي وجّهها العالم المصري أحمد زويل إلى الشعب المصري عبر «الجزيرة، معلناً التحاقه بعجلة التغيير.
لقد بقيت «الجزيرة» في قلب المعركة، وإن اعتمدت على الوسائل «البدائية» في تغطية الأحداث. في ظلّ غياب مراسليها، لجأت المحطة إلى الشهود العيان الموجودين في ساحات التظاهر، كما طلبت من «كل الناشطين الإلكترونيّين واللجان الشعبية إرسال ما لديهم من صور وأخبار» على البريد الإلكتروني، وعلى رقمَين قطريَّين. أما الصورة الحية والمباشرة فغابت بالكامل عن التغطية، باستثناء كاميرا مثّبتة على «ميدان التحرير». ونتيجة لذلك، تحوّلت «الجزيرة» إلى ما يشبه الإذاعة، معتمدة في نقلها للأخبار على الشهادات الحية والاتصالات.
مع ذلك، حاول مذيعو المحطة الحصول على أدقّ التفاصيل لما يجري في الساحات المصرية. وفي كل اتصال هاتفي، كان الضيوف يركّزون على وصف تحركات المحتجّين بأدق التفاصيل، تعويضاً عن غياب الصورة، مثلاً أعطى الناشط السياسي قطب العربي صورة دقيقة لكل ما يجري في ميدان التحرير «الشارع ما زال مكتظاً بالمتظاهرين... وخصوصاً الشارع المؤدي إلى وزارة الداخلية... الجميع في انتظار انطلاق صلاة الجنازة على أرواح الشهداء...». وكذلك فعل باقي المتصلين.
وفي اتصال مع «الأخبار»، أكّد مدير مكتب «الجزيرة» في بيروت غسان بن جدو أنّ «قرار إقفال القناة في القاهرة صدر اليوم (أمس)، لكن منذ ثلاثة أيام، ومراسلونا ممنوعون من العمل على نحو طبيعي». وأكّد أن مراسلي القناة في مصر ممنوعون من إعطاء أي تصريح ولو على الهاتف، «لكن قد نتّصل بهم لاحقاً بصفتهم صحافيين مصريين». أما عن الأسباب الحقيقية وراء إقفال المكتب، فيقول الصحافي التونسي: «منذ ثورة تونس، بات بعض الحكام ينظرون إلى «الجزيرة» بعين الريبة، وخصوصاً أنها شاركت في صناعة الحدث...».