دمشق ـــ كيف يقرأ الإعلام السوري الثورات العربية المتلاحقة التي تهزّ أسس الأنظمة السياسيّة المختلفة؟ قد يبدو السؤال مهمّاً لكثيرين خارج سوريا، لاعتبارات مختلفة. أما في الداخل، فهو آخر هموم المشاهدين السوريين الذين ينفضّون عن الإعلام الرسمي عن الخطب الجلل، ويستأنفون رياضتهم المفضّلة، ألا وهي متابعة القنوات العربية الإخبارية، وأوّلها «الجزيرة» للوقوف عند أهم التطورات.

التظاهرات التونسية وإسقاط نظام زين العابدين بن علي كانت حادثاً بارزاً بالنسبة إلى معظم السوريين. لكنّ مواكبته في وسائل الإعلام السورية الرسمية جاءت متأخرة عن القنوات الأخرى. وهذا ما ينطبق على «ثورة الغضب» المصرية. إذ أدرج التلفزيون الحكومي الخبر في نشراته الرئيسية متأخراً عن التطوّرات التي تشهدها مصر، فيما اقتصر الشريط الإخباري للفضائية السورية على خبرين، أولهما عدد القتلى المصريين، والثاني عصيان سجن وادي النطرون.
وتأتي التغطية الخجولة للتلفزيون الحكومي امتداداً لسياسة البقّال الوحيد في القرية النائية! ويبرر بعض القائمين على التلفزيون السوري ذلك بأنّ المحطات الحكومية لا بد من أن تمسك العصا من المنتصف وتحاول الاعتدال في تغطيتها للأحداث. في الطرف المقابل، غطّت القناة الإخبارية السورية جزءاً من العجز الواضح لدى القنوات السورية الرسمية. من خلال أكثر من تقرير، وجّهت الإخبارية السورية سهامها إلى الإدارة الأميركية، معتبرة أن التدخلات الخارجية في مصر ورضوخ الرئيس مبارك أوصلا الشارع المصري إلى الانفجار.
وحذّرت الإخبارية السورية في تقرير بعنوان «آخر الحكام العرب» من مغبة الوقوع في شرك الأفعى الأميركية التي تسوّق المساعدات لعملائها ثم ترميهم. واتخذت مثالاً على ذلك الرئيس التونسي السابق. وقد أفردت تقريراً ساخراً عن مبارك مستوحية عنوانه من أغنية الشيخ إمام «مصر يمّا يا بهيّة». إذ ختم تقرير الإخبارية بجملة «مصر يما يا بهية هو رايح وإنت جاية»... بينما ركّزت الصورة على حسني مبارك وهو يحمل ورقة اقتراع بيده ويمضي بعيداً.
أما تلفزيون «الدنيا»، فقد خصص نشرات إخبارية كاملة لتغطية «ثورة الغضب»، إضافة إلى تواصل حي مع مراسل المحطة في القاهرة. الدور ذاته اتخذه تلفزيون «المشرق» الذي ركّز تركيزاً مكثفاً على التطوّرات المصرية. فيما بدا موقف الصحف السورية الرسمية شبيهاً إلى حد ما بموقف الإعلام المرئي الرسمي الباهت. أما الصحف الخاصة فقد احتلت الثورة المصرية صفحاتها. جريدة «الوطن» مثلاً عنونت أمس «الزلزال يهزّ أركان النظام وارتداداته تصل إلى واشنطن». فيما ظلّت الإذاعات السورية بعيدة عما يحصل على اعتبار أنها إذاعات فنية. لكن بعض تلك الإذاعات اختارت تكثيف بثّ الأغنيات الوطنية المؤيدة للرئيس السوري بشار الأسد!