الرياض ــــ يبدو أن فيضانات جدة وفضيحة الفساد الثانية هناك سيطرت على مساحات واسعة في التغطية الإعلامية السعودية، ما أوجد مبرراً لغياب أحداث مصر عن التغطية الإعلامية الكبيرة. لكن هذا لا يمكن أن يكون حجةً مقنعة، إذ إنّ الأحداث التاريخية في الدولة العربية الكبرى لا يمكن أن تغيب عن أي تغطية إعلامية، خصوصاً عندما يغطي هذا الإعلام أحداث لبنان ويفرد مساحات واسعةً للتظاهرات، ويلوّنها بلغة طائفية.

حضرت أحداث مصر من باب انهيار سوق الأسهم بفعل تلك الأحداث، وأوضاع السعوديين في مصر، وجهود السفارة هناك. لكن القنوات الحكومية ومعها معظم الصحف ركزت على أحداث جدة وتجنبت الخوض بعمق في الواقع المصري الملتهب.
مع ذلك، دخلت الصحف السعودية «الدولية» على خط الأحداث على طريقة قناة «العربية» الإخبارية.
«الشرق الأوسط» في عدد أمس الأحد عنونت بخطٍ عريض «مصر تُنَكّل بنفسها»، وتحدثت عن أعمال النهب والسلب والبلطجة، متجاهلةً بالطبع التظاهرات الضخمة وشعاراتها المطالبة برحيل نظام مبارك. وفي عملية استغباء للقراء، أعطت الصحيفة انطباعاً بأن ما يحدث غير مبرّر، وحاولت وصف الأحداث بما يشبه تسمية السادات لانتفاضة 77: انتفاضة الحرامية.
كتب رئيس تحرير «الشرق الأوسط» طارق بن عبد العزيز الحميد عن سقوط هيبة الدولة، وتحدث عن الفوضى وغياب الأمن من دون أن يتوقّف لحظةً عند الدوافع السياسية للأحداث، ولا عند المطالبات الشعبية بإسقاط النظام. أما عبد الرحمن الراشد زميله وشريكه مدير قناة «العربية» «الليبرالي» المدافع عن أنظمة القمع المتحالفة مع الولايات المتحدة، فقد وصف فترة حكم مبارك بأنها كانت «ناعمة» في معظمها مقارنةً ببقية الأنظمة في المنطقة، بينما وصف عبد الناصر بالديكتاتور، ولم ينسَ في ختام مقاله أن يدعو النظام المصري إلى بعض الإصلاحات الضرورية بعد تجاوز الأزمة! صديق المحافظين الجدد وحلفائهم بدا متفائلاً أكثر من مبارك نفسه لجهة استمرارية النظام.
بعض كتّاب الرأي في الصحف السعودية حلّلوا ظاهرة الهبة الشعبية من دون التطرق مباشرة إلى مطالب الثورة في مصر. وبعضهم الآخر كتب بناءً على معارك قناة «العربية» ضد الفوضى والمشاغبين. وفي المحصلة، اتضح أن الحديث عن إسقاط مبارك خط أحمر، وأن أجندة الإعلام الرسمي السعودي تقضي بالمزايدة حتى على الإعلام الحكومي المصري في الترويج لنظريات نظام مبارك حول الشغب و...الحرامية.